د. شاكر الحوكي : حوار الأستاذ الصغير الزكراوي في “الكتيبة” جريء وصريح، يعيد الروح للنقاش العمومي ويفتح آفاقاً فسيحة للاستشراف

حوار الزكراوي:

تشريح “نظام البث” ومآلات حالة الاستثناء في تونس.

اتسم الحوار الذي أجراه الصحفي محمد اليوسفي مع الأستاذ صغيّر الزكراوي على موقع “الكتيبة” بكونه استثنائياً بشتى المقاييس؛ إذ حقّق معدلات مشاهدة غير مسبوقة، مُحدثاً خرقاً في جدار العتمة والصمت الذي يطبقُ على بلادنا اليوم. وعلى الرغم من انقضاء الشهر تقريبا على بثه، إلا أن تفاعلات المتابعين لم تنقطع، وهو أمرٌ لا يبعث على العجب؛ فالرجل أستاذ جامعي وشخصية عامة، عُرف منذ الثورة بمواقفه المستقلة والجريئة، وظل حاضراً في كل منعطفاتها السياسية الحاسمة. وحتى حين ساند مسار 25 جويلية، فإنه سرعان ما انفضَّ عنه حين أدرك أن الانفراجة التي طال انتظارها لم تكن سوى سراب، ليواصل منذ ذلك الحين التعبير عن مواقفه المناهضة لهذا المسار في كل المحافل التي يطل منها.

وقد تميّز الحوار بثرائه وعمقه، إذ أحاط بكافة النقاط الساخنة في المشهد الراهن، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وتناولها بالتحليل والتمحيص؛ بدءاً من معضلة الشركات الأهلية، ومروراً بالعلاقة الاستراتيجية مع الشقيقة الجزائر، وصولاً إلى انحسار دور الاتحاد وتراجع الحريات الأكاديمية. كما وضع الحوارُ الإصبع على الداء حين فصّل في مآلات “البرلمان الصوري”، وتقويض مؤسسات الدولة، وانتشار الزبونية والفقر والفساد، منتهياً إلى ضعف الأداء السياسي وتهافت الدستور، وما نتج عن ذلك من تآكلٍ في شعبية الرئيس.

على أنه ثمة أربعة محاور أساسية تستحق التوقف عندها بتمعن؛ أولها توصيف اللحظة الراهنة للنظام، إذ يرى الأستاذ الزكراوي أنه نظامٌ فاقد للشرعية والمشروعية معاً، واصفاً إياه بـ “النظام الشعبوي” الذي استحال إلى مجرد جهاز بثٍّ عاجزٍ عن التلقي. وقد استدلّ على هشاشة هذا البناء بما أفرزته نتائج المحطات الانتخابية المتلاحقة، والتي اتسمت بضعفٍ بيّن، بما في ذلك الاستفتاء على الدستور. كما ذهب إلى أن القاعدة الاجتماعية المناصرة للرئيس تتسم ببساطة التفكير ومحدودية الثقافة، معتبراً أن النظام بات معزولاً في فضائيه الإقليمي والدولي؛ بحيث إن أي انتخابات تُجرى وفق القواعد الديمقراطية القائمة على التنافس الحزبي الحرّ والشفاف، لن تضمن له العودة إلى قصر قرطاج مجدداً.

وخلص إلى أن النظام أضحى مهدداً بالاهتزاز في أي لحظة بموجب مفاعيل القوانين الاجتماعية؛ نتيجة وعودٍ لم تجد طريقها للتنفيذ، وتدهورٍ حاد في الوضع المعيشي، والركون إلى شعارات فضفاضة لا تسمن ولا تغني من جوع.

أما بخصوص الاستحقاقات الرئاسية القادمة ومدى أحقية الرئيس في ولاية أخرى، فقد كان موقف الأستاذ الزكراوي حاسماً؛ إذ رأى أن رئيس الدولة قد استوفى عهدتيه الدستوريتين، ولم يعد متاحاً له الترشح بعد عام 2029. ومع تسليمنا بأن هذه المسألة تبقى رهينة موازين القوى أكثر من كونها مسألة قانونية بحتة، إلا أننا نرى أنها تظل في جوهرها مسألة أخلاقية بامتياز؛ وأن استمرار رئيس الدولة في الحكم تحت أي ذريعة، ليس إلا تشبثاً غريزياً بالسلطة وارتداداً صريحاً إلى الممارسات القديمة وتكريساً لحالة الاستثناء الدائم.

وفيما يتعلق بفرضية الشغور الرئاسي، أكد الزكراوي أنها – في غياب المحكمة الدستورية- لن تُعالج إلا من خارج الأطر الدستورية والقانونية القائمة؛ نافياً أن يكون للمرسوم (117) لسنة 2021 أي دورٍ في سدّ الفراغ المرتقب، إذ وصفه بـ «المرسوم سيئ الذكر» الذي استنفد صلاحيته، لكونه شكّل اللبنة الأولى للاستيلاء على السلطة وإرساء دعائم التسلط. وانتهى إلى أن هذا المرسوم مثّل المنعطف الأخطر منذ الثورة، مما يستحيل معه التأسيس لبناء أي مسار ديمقراطي جديد.

كما عرّج الأستاذ الزكراوي على مسألة حالة الاستثناء، مجملاً رؤيته فيها بانتظار صدور مؤلفه المرتقب حول هذه المسألة. ومن المعلوم أن حالة الاستثناء تمثل إحدى أعقد القضايا القانونية والسياسية؛ إذ عمدت الدساتير الحديثة إلى تقييدها بضوابط صارمة لتبقى مجرد إجراء ظرفي يُتخذ في حالات الحرب أو الكوارث، غايته الأسمى حماية الدستور عبر تعليق مؤقت لبعض مواده، وذلك لكون الاستثناء يندرج أصلاً ضمن عباءة القانون بحسب المنظر الألماني كارل شميت[1].

وبناءً عليه، كان يُفترض برئيس الدولة – استناداً إلى منطق الفصل 80 من دستور 2014 – أن يُعلن انتهاء هذه الحالة مثلما أعلن الدخول فيها، وهو منطق قانوني وفقهي استوعبه رجالات الدولة في تونس مبكراً، منذ عهد خير الدين التونسي. غير أن صمت الرئيس فتح الباب لتباين القراءات؛ فبينما ذهب القاضي أحمد صواب إلى اعتبارها قد انقضت بوضع دستور 2022، جزم الأستاذ الزكراوي باستمرارها نظراً لتواصل تقييد الحريات. وهو رأيٌ تدعمه الوقائع، ويتناغم مع أطروحة الفيلسوف الإيطالي أجامبين الذي لاحظ بنظرة واقعية حادّة كيف تتحول أنظمة الاستثناء من عارض مؤقت إلى حالة دائمة[2].

وبالعودة إلى فكر خير الدين، نجد استيعاباً دقيقاً لهذا الفعل السياسي يفتقده الكثير من النخب المعاصرة؛ إذ يرى أن الضرورة قد توجب تفويض إدارة المملكة لشخص واحد “مستبد” لكن لغاية معلومة وشروط محددة، لا تتجاوز ستة أشهر، وينتهي التفويض بانتهاء السبب الموجب له لتعود مؤسسات الدولة إلى أحكام القوانين. بل ويذهب خير الدين إلى أبعد من ذلك، بإقرار مبدأ المسؤولية والمحاسبة على ما تصرف فيه المفوَّض له من قتل أو مال، مؤكداً أن ما أبيح للضرورة يُقدّر بقدرها، ولا يجوز استمرار حجب الحريات بعد زوال أسباب الاضطرار[3].

أما فيما يتعلق بملف الاعتقالات السياسية، دعا الأستاذ الزكراوي بوضوح إلى ضرورة الإفراج عن المعتقلين كافة دون استثناء، والبحث عن مخرجٍ وطني عبر حوار جامع يفضي إلى مصالحة وطنية وعفو تشريعي شامل، معرباً عن تعاطفه الإنساني مع السجناء بمعزل عن انتماءاتهم السياسية والحزبية. وهي فكرة باتت تختمر في وجدان الطبقة السياسية؛ إذ حان الوقت لمعالجة هذا الملف بمنطق أكثر إنسانية، وإذا كان النظام يعتقد حقاً أنه أرسى دعائم مشروعه وأكسبه المناعة اللازمة، فإن الإبقاء عليهم في غياهب السجون لن يُفسّر إلا بوصفه دليلاً على هشاشة البنيان لا قوته.

ولعلّ أهم ما رشح عن هذا الحوار-  وإن مرّ مرور الكرام –  هو ما نقله الزكراوي عن مصادر مقربة من حركة النهضة حول استعدادها لتعليق مشاركتها في المواعيد الانتخابية القادمة لدورتين متتاليتين على الأقل. إن هذه المبادرة، إن تأكدت، ستمثل خطوة جسورة في مواجهة حالة التسلط، واستعادة الثقة المفقودة بين الأحزاب؛ فهي تسحب البساط من تحت أقدام أولئك الذين نكلوا بالمسار الانتقالي وخذلوا الديمقراطية بدعوى “فزاعة النهضة”، وخشية أن يصب نضالهم في سلتها.

علاوة على ذلك، يمنح هذا الخيارُ الحركةَ فرصةً لمراجعة خياراتها وتقييم مسارها بعيداً عن إكراهات الحكم، ويثبت زهدها في السلطة ريثما تهدأ النفوس وتُعالج الملفات الحارقة بعيداً عن التجاذب والاحتقان. وهي الطريقة الأمثل لمجابهة تهم التغلغل في مفاصل الدولة والسعي وراء المناصب وخدمة مصالحها الضيقة، بل وفرصة لبروز بدائل سياسية جديدة لم تتورط في عثرات الماضي.

وهي لعمري من أهم النقاط التي وردت في الحوار وكان من المؤمّل أن تكون فرصة لمعرفة رأي الأحزاب والطبقة السياسية حول هذا الموضوع. وتطوير هذا التوجه بحيث يحرك المياه الراكدة ويمنح الفرصة لانبثاق بدائل جديدة لم تتورط في مستنقعات التجارب السابقة.

وعلى النهضة أن تدرك أن لحظة 17 جانفي لن تتكرر، وأن عودتها للمشهد السياسي أضحت مشروطة بتحقيق إجماع وطني واسع يقطع مع نزعات الإقصاء صوناً لقواعد اللعبة السياسية من أي نكوص محتمل. إذ لا بديل عن الاحتكامِ الخالصِ إلى الشعب بناءً على برامج اقتصادية وخيارات سياسية وخلفيات أيديولوجية واضحة، وإلا فإن المأزق الراهن سيظل مُراوحاً مكانه إلى ما شاء الله.

وإنّ شجاعة المواجهة تقتضي من الحركة اليوم قبول مصيرها السياسي بروحٍ نقدية، لاسيما بعد أن أظهرت منذ 25 جويلية قدراً من الرصانة سفّهت به اتهامات “الارتباط بالخارج” أو “الحكم بالدم” وأسقطت الكثير من الافتراءات، مما يفتح باب الأمل في أن تكون مستقبلاً  عامل توازن وفاعلاً يدعم الاستقرار، دون حاجة أن تكون  في “قرطاج” أو “القصبة” أو حتى “باردو”.

لقد جاء حوار الأستاذ الصغير الزكراوي جريئاً وصريحاً، واضعاً الإصبع على مكامن الداء، ليعيد الروح للنقاش العمومي ويفتح آفاقاً فسيحة للاستشراف.

د. شاكر الحوكي – جامعي 

[1] Hatem M’rad, Les dérives contraires en Tunisie : autour de Carl Schmitt, Cérès, Tunis, 2022, p.108.

 [2] جورجيو أغامبين، حالة الاستثناء، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2015، ص 53.

[3] خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، الدار العربية للكتاب، تونس، ص225-227.

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى