إعلام المرفق العمومي في تونس: جدلية الاستقلالية وإعادة إنتاج الهيمنة
جيهان اللواتي

إعلام المرفق العمومي في تونس: جدلية الاستقلالية وإعادة إنتاج الهيمنة
تمثل استقلالية إعلام المرفق العمومي في تونس ما بعد ثورة 14 جانفي 2011 حجر الزاوية في عملية التحول الديمقراطي المتعثرة فالمسألة لا تقتصر على جوانب تقنية أو تنظيمية بل تمتد لتشمل جوهر “العقد الاجتماعي” بين الدولة والمجتمع في ظل السياق الحالي يتحول الإعلام العمومي إلى ساحة صراع طبقي وسياسي مفتوح حيث تتواجه إرادة “التدجين السلطوي” مع تطلعات القوى الحية لبناء “فضاء عمومي” بالمعنى الهابرماسي يعكس مصالح الكادحين والمهمشين في الجهات الداخلية وبعيداً عن السرديات المركزية المهيمنة.
من المأسسة الديمقراطية إلى مأزق الاحتواء السلطوي:
لقد مثل المرسوم 116 لسنة 2011 قطيعة إبستيمولوجية مع إرث “إعلام البروباغندا” الذي ساد في العهدين البورقيبي والبن علي حيث أسس للهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) كضمانة للتعددية ومع ذلك فإن مسار ما بعد 25 جويلية 2021 أحدث شرخاً بنيوياً إذ انتقل التعامل مع مؤسسات الاعلام العمومي من منطق “المرفق العام” إلى منطق “جهاز الدولة” التعبوي
هذا التحول تجلى بوضوح في فيفري 2025 حينما طُلب من الإعلام العمومي الانخراط في رؤية أحادية وهو ما يُعد أكاديمياً نوعاً من “الاختزال الوظيفي” للإعلام حيث يتم إقصاء الأصوات النقدية والنقابية و السياسية بحجة الانخراط مع “مشروع التحرير الوطني”
من جهتها أدانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أكثر من مرة تغيب البرامج السياسية عن البرمجة و عدم متابعة أحداث قابس و منع الصحفيين من التغطية الميدانية لمؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل كل هذه النقاط ليست مجرد أحداث عابرة بل هي مؤشرات على محاولة عزل القوى الاجتماعية الفاعلة عن منبرها الشرعي وتحويل المؤسسة العمومية إلى “فضاء مغلق” يدار بالولاء لا بالكفاءة المهنية
الإعلام كأداة للهيمنة الطبقية وصناعة التراضي القسري
من منظور “النظرية النقدية” (مدرسة فرانكفورت) وتحليلات هيرمان وتشومسكي حول تصنيع التراضي يعمل الاعلام غير المستقل “كمرشح” يمنع وصول الحقائق التي تهدد مصالح السلطة أو الطبقة المهيمنة في تونس
كما يؤدي غياب الاستقلالية إلى تعميق الاستقطاب وتشويه الوعي الجماعي عبر تحويل النقاش العام من “القضايا البنيوية” (البطالة و المديونية و تدهور المرافق الصحية والتعليمية) إلى “خطابات تخوينية
علميا تؤكد نظرية الغرس الثقافة لجورج جيربنر أن التعرض المكثف لمحتوى إعلامي أحادي الجانب يؤدي بمرور الوقت إلى إعادة صياغة التصورات الجماعية للواقع مما يجعل المواطن متلقياً سلبياً يتماهى مع السردية الرسمية خوفاً أو يأساً.
كما أن تراجع تونس للمرتبة 129 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 ليس مجرد رقم إحصائي بل هو انعكاس لبيئة طاردة للتفكير النقدي حيث تصبح الرقابة المسبقة والبعدية أدوات لتقويض الوعي ومنع تبلور جبهة شعبية واعية بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية
المقاومة المهنية.. فاعلية “الأصوات الشجاعة” في مواجهة الإقصاء
داخل أسوار المؤسسات العمومية يخوض عدد من الصحفيين/ات معارك يومية لأجل استقلالية المرفق العمومي و استقلالية الإدارة عن التحرير هؤلاء يمثلون ما يسميه غرامشي “المثقف العضوي” الذي ينحاز لقضايا شعبه.
فإن إصرارهم على تغطية احتجاجات و قضايا العنصرية و القضايا السياسية و معاناة العاملات في القطاع الفلاحي يمثل كسرًا لمنطق “الحجب” الممارس رسمياً
هذه الأصوات تدرك أن دور الإعلام العمومي هو أن يكون “إيقاعاً صادقاً” للتناقضات الاجتماعية وليس مرآة مصقولة للسلطة ليظل الاعلام العمومي هو الملجأ الأخير لـ “من لا صوت لهم”.
لذا فإن الضغوط التي يتعرض لها هؤلاء الصحفيون/ات هي في جوهرها محاولة لكسر الرابط العضوي بين الإعلام والمهمشين ومنع تحول المعلومة إلى قوة محركة للتغيير الاجتماعي
نحو إصلاح جذري.. مقتضيات السيادة الإعلامية
إن استعادة استقلالية الإعلام العمومي تتطلب رؤية إصلاحية تتجاوز الترميم السطحي نحو تغيير هيكلي شامل
أولا: دسترة الاستقلالية وتفعيل التعديل و ذلك بتحصين الهيئات التعديلية (الهايكا) من التغول التنفيذي وضمان انتخاب هيئات تحريرية بناءً على مشاريع مهنية تخضع للرقابة المجتمعية
ثانيا: فك الارتباط المالي والسياسي بالانتقال إلى نموذج “التمويل الاجتماعي” الشفاف الذي يحمي المؤسسة من الابتزاز المالي الذي تمارسه السلطة التنفيذية عبر الميزانيات المرصودة
ثالثا: العدالة الإعلامية والجهوية بإعادة هيكلة شبكة المراسلين/ات لضمان تمثيل حقيقي لكل الفئات والجهات وتحطيم “المركزية الإعلامية” التي تختزل الوطن في العاصمة وضواحيها
رابعا: أنسنة المهنة وحماية الصحفيين بوضع ميثاق أخلاقي ملزم يحمي الصحفي من الرقابة الذاتية والضغوط الإدارية ويوفر له الحصانة المهنية لممارسة دوره كرقيب على السلطة
اعلام مستقل …. وطن حر
إن استقلالية الإعلام العمومي في تونس هي معركة وجودية تتجاوز القطاع الصحفي لتشمل مصير التجربة الديمقراطية برمتها كما انها شرط أساسي لبناء وعي جماعي يرفض التزييف ويسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية حيث ان الدفاع عن الأصوات الحرة داخل مؤسسات الاعلام العمومي هو واجب وطني وشعبي لأن الصمت اليوم يعني القبول بعودة “الصوت الواحد” و”الرأي الواحد”
فتونس التي دفع شبابها دماءهم في 2011 تستحق إعلاماً يكون سلاحاً في يد الشعب ضد الاستبداد ومنبراً لكل كادح ومهمش يطمح لتغيير واقعه المرير.
جيهان اللواتي
صحيفة صوت الشعب – العدد 122 – الجمعة 27 مارس 2026






