د. عبد السلام الككلي : في التقعّر والمتقعّرين

ملاحظة : كل صلة بين هذا المقال وخطاب هذا أو ذاك هي من وحي خيال القارئ


لكل خطاب معنى تحيل عليه الفاظه ومكوناته ويمثل ذلك المعنى قصد المتكلم وغرضه. ويميل البعض المتكلمين الى استعمال كلمات غريبة متروكة خرجت تماما من أي تداول حتى صارت مجهولة المعنى . وكثيرا ما يقصد من استعمالها التقعر وإبراز المعرفة والتفوق اللغوي . ويبدو هذا الغرض محكوما بخصائص المتكلم الشخصية اذ أنه كثيرا ما يعمد المتقعر الى استبدال التداول بالمعجم نبشا في ما ترك من الالفاظ التي أهملها التداول اما لأنه استبدلها بأخرى او تركها لتجاف في اصواتها او خشونة فيها.

ولقد اهتم اللغويون بظاهرة التقعر. ويعرف القاموس المحيط للفيروزآبادي التقعر : ” تقعر الخطيب أخرج كلامه من أقصى حلقه تصنُّعًا. ، والشيء المقعّر هو المنخفض أو الغائر.” والتقعر اللغوي عامة هو ضرب من التصنع والتكلف في الخطاب يمتهنه بعض المتكلمين لأغراض خاصة.

ولنا في اخبار الادباء واللغويين أمثلة طريفة مضحكة من التقعر نورد منها هذا المثال:

كان رجل من التجار له ولد يتقعر في كلامه، ويستعمل الغريب؛ فجفاه أبوه استثقالاً له وتبرماً به، ومما كان يأتي به. فاعتل أبوه علةً شديدة أشرف منها على الموت. فقال: أشتهي أن أرى ولدي. فأحضروهم بين يديه فأخر هذا ثم أخر ذاك حتى لم يبق سواه، فقالوا له: ندعو لك بأخينا فلان ؟ فقال: هو والله يقتلني بكلامه، فقالوا: قد ضمن ألا يتكلم بشيء تكرهه. فأذن لهم. فلما دخل قال: السلام عليك يا أبت، قل أشهد أنه لا إله إلا الله، وإن شئت قل أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقد قال الفراء: كلاهما جائز، والأولى أحب إلى سيبويه. والله يا أبتي ما شغلني غير أبي علي، فإنه دعاني بالأمس، فأهرس وأعدس، وأرزز وأوزز، وسكبج وسبج، وزربج وطبهج، وأبصل وأمصل، ودجدج وافلوذج ولوزج . فصاح أبوه العليل: “السلاح السلاح، صيحوا لي بجارنا الشماس لأوصيه أن يدفنني مع النصارى، فإنه لا يسكبج بعد اليوم!”، ( ذكر في جامع الجواهر في الملح والنوادر لابي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني )

التقعر بين دوافع المتكلم واستقبال المتلقي

لاستعمال الغريب من اللفظ أحيانا أهداف نفسية ففي التقعر بحث عن الاعجاب وتأكيد على التفوق و قد يكون في الأصل ناتجا عن عقدة النقص أي فقدان الثقة في الذات أو صورة ذاتية سلبية عن الذات.
غير ان ما يعنينا هنا ليس المتكلم فقط بل المتلقي أيضا فاذا كان المتكلم يصدر في كلامه عن محاولة اثبات القدرة اثباتا ناجما عن شعور بالنقص فان الملاحظ أحيانا هو وقوع المتلقى في شرك التقعر.

فكثيرا ما يميل بعض المتلقين لا الى الاستثقال الإغراب بالتبرم والكراهية كما فعل الوالد في حكاية الحصري بل الى محاولة فهم ما صدر عن المتقعر بفتح القواميس شرحا لكلامه لا لنفسه فقط بل لغيره من المستمعين او المتلقين عموما مما يحوله الى مشارك في العملية بشكل او بآخر وقد يكون تصرفه لا يختلف عن سلوك المتقعر من خلال اثبات المعرفة هو أيضا وذلك بترك مضمون الحديث وسياقه والتلهي بشكله الغريب وهكذا يستفيد المتقعر من سلوك متلقيه اذ انه يحول الاهتمام من اللغة الى الذات ومن الخطاب الى قائله. ويشجع هذا السلوك المتقعر على مزيد التوغل في البحث عن الغريب والشاذ والمتروك واستعمالهما . وساهمت وسائل التواصل بحينيتها وسهولتها استعمالها في مداولة كلام الغير بنشره او إعادة توزيعه او التعليق عليه.

وفي المساحة المفتوحة للجميع يجري عادة مداولة الفاظ المتقعر في الفضـاء الافتراضي المتنوع والسريع فتتراكم الاقوال وتتضخم فيصير اللفظ اهم من سياقه و الملفوظ الواحد اهم من الخطاب في كليته اذ يتحول الخطاب الى كتلة واحدة يختزلها لفظ واحد . ولمراكمة هذه الاقوال أغراض مختلفة تتراوح بين إرادة المتلقى اثبات نفس قدرة المتقعر بشرح كلامه من خلال تكبد مشقة العودة الى القواميس او تحويل خطاب المتقعر الى سخرية لا تتجاوز اللهو والضحك. وقليلا ما ينتبه المتلقى الى ان غرض المتقعر هو بالضبط مراكمة أقواله والاهتمام بشخصه لأنه يستبدل سلطة الفعل بسلطة القول و يعالج قصوره من خلال استبدال التواصل بالشخصنة وتعويض الكلام المفيد بكلام لا يهدف الى الحوار المثمر بل الى تعويض النقص بالكمال اللغوي المزيف والقصور عن الفعل بالتفوق اللفظي.

المصدر : https://www.facebook.com/share/p/1DZBXmf6m2/?mibextid=wwXIfr

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى