في الذكرى الثالثة لاعتقاله : رسالة الشيخ راشد الغنوشي من سجن المرناڤية

الحمد لله

​مرت هذه المناسبة دون وعي بها، ومع ذلك فإنني مطمئن إلى أنّ الطريق الذي مضينا فيه هو الطريق الصحيح، والواقع يشهد على ذلك، تطور الأوضاع في البلاد وفي العالم تشهد أن الدكتاتورية والحكم الفردي لا أمل فيه منقذاً من مشكلات أمتنا، تبقى الدكتاتورية والحكم الفردي داءا لا دواء، لذلك لم تهتز أقدامنا يوماً، ولم نتخلَّ عن يقيننا في أن خيار 25 جويلية كان خاطئاً، لا هدف له، وبه مضت تونس في الخيار الخاطئ.

​لقد ثبت اليوم صحة ما قلتُه ذات ليلة في 25 جويلية 2021 أمام باب برلمانٍ مغلق بدبابةٍ وآخر ما قلته ليلة 17 أفريل 2023 قبل الاعتقال من أن تونس يُدفَعُ بها دفعاً في طريق الهلاك: حكم فردي يقصي من يخالفه، إقصاء لم يأتِ بخير للبلاد.

​لقد كان خطابي قبل ثلاث سنوات في مسامرة جبهة الخلاص خطابَ المشفقِ على بلده، الخائفِ على وطنه، الخوف والشفقة من الردة على ثورة مباركة ألهمت العالم، قلتُ إن الاحتراب الأهلي هو بديل التنوع والتحاور وقبول الاختلاف، وسماع الآخر هو ضمانة التعايش السلمي، فتحول خطاب النّصح والتحذير إلى خطة تآمر انتهت إلى محاكمة وُظف فيها القضاء وزُج بها عدد من الأصدقاء لا علاقة لبعضهم ببعض، مُتَّهمين لم يجمع بينهم مكان بل ربما فرقتهم الفكرة. لا يتصور عاقل أن المجموعة التي زج بها قادرة على أن تقلب حكماً … هذا تسخيف للسياسة واستخفاف بعقول الناس واحتقار لذكاء الناس.

​بعد سنوات ثلاث ماذا كسبت تونس من هذا الانقلاب غير الأزمة وراء الأزمة واحتقان على كل صعيد، وتعويم لمشاغل الناس ومشاكلهم.

​البلاد تحتاج إلى حوار بعيداً عن كل إقصاء، حوار لا يستثني أحداً، من أجل التوافق، من أجل مقاربة وطنية لمشاكل تونس والتحديات التي تواجهها، وفكرة الدعوة لدولة اجتماعية لا تقوم إلا مع حليفتها السياسية وهي الديمقراطية، لأن مقولة العدل بديلاً عن الحرية فهو قول فاسد غير صحيح، نعم للدولة الاجتماعية، ولكن لا طريق إليها إلا بآلية الديمقراطية؛ إننا لا نجد دولة ديمقراطية فقيرة، فالرأسمالية المتوحشة فساد أخلاقي تقوم بدور قارون لخدمة فرعون نهايتها الفُرقة والاستبداد، لا أريكم إلا ما ارى، لذلك فضربُ بعضِها ببعض كضرب الديمقراطية بالعدالة هو ضلال وغش وترسيخ للصراع.

​لابد أن يقوم المستقبل على التشاركية لا على إقصاء الرأي المخالف، والسبيل الوحيد هو دعوةٌ لكلمة سواء بيني وبينكم، فهذه البلاد ليست إرثاً لأحد، هي ملك للشعب، فلا مبرر لتبادل الإقصاء، كلٌّ يدعي وصلاً بليلى على نهج أهل جهنم كلما دخلت أمة لعنت أختها … كل من يأتي يجرم غيره.

​نحن حكمنا أو هكذا يبدو أو شاركنا في الحكم، قد نكون أخطأنا كما أخطأ غيرنا، ولكن لم نخطئ في لب المسائل، ولم نمس مربط الفرس ألا وهو الحرية وما يحيط بها وما هو لازم لتحقيقها وحمايتها: لم نعلق الناس في المشانق، لم نفتح السجون لتستقبل أهل الرأي، استمعنا للآخر، وحاورنا المخالف، لم نجرم أحزاباً ولم نغلق مقرات جمعيات ومنظمات ولم نصادر حق البقاء والوجود.

​لقد كان القضاء حراً مستقلاً متمتعاً بكل ضمانات سيادة القانون ومعايير الإنجاز، بمجلس أعلى مستقل، نيابة تسهر على حسن تطبيق القانون حارسة للحريات ولم نطلق يدها للمس من حقوق الناس.
​أخطاؤنا ليست موبقات وبقيت تونس أيقونة الحرية والتعايش والديمقراطية ولم تتحول إلى مشغل للمنظمات الأممية والهيئات الحقوقية الإقليمية، ولا صودرت الصحف ولا حكم بالإعدام من أجل تدوينة.

​لا تزال القضايا تفتح ضدي والأحكام تصدر ولكني لا أزال اليوم بعد سنوات ثلاث من الاعتقال وبعد 76 عاماً محكوم بها تزيد وتتضاعف كل يوم على يقين أن وجودي بسجن المرناقية محض قرار سياسي ولا أزال في يقيني في عدم توفر الضمانات القانونية والقضائية الإجرائية والأصلية التي تدفعني للتراجع عن قرار مقاطعة القضاء تحقيقاً ومحاكمة.

​شكراً لمن لا يزال يعد أيام اعتقالي لأني توقفت عن العدّ منذ زمن إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

​معتقل المرناقية في 17 أفريل 2026 الموافق ليوم 29 شوال 1447

المصدر : https://www.facebook.com/share/p/1L5bfYnXKS/?mibextid=wwXIfr

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى