قضية العميد شوقي الطبيب: حملة مطاردة شيطانية

لجنة احترام الحقوق والحريات في تونس - CRLDHT

إن الجرأة على تطبيق القانون على رئيس حكومة قيس سعيد لها ثمنها. قضية العميد شوقي طبيب هي مثال على انحراف مقلق حيث يسير الحقد والتعسف جنباً إلى جنب. وهي تندرج في سياق أوسع من التشكيك في القوى المضادة وإضعاف الفاعلين المنخرطين في مكافحة الفساد.

الوقائع

تعود إلى عام 2020، حيث ادعى مدير شركة أنه تعرض للضرر جراء رسالة وجهها العميد شوقي الطبيب بصفته رئيساً للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (INLUCC)، إلى رئيس مجلس نواب الشعب، لإبلاغه، كما ينص عليه القانون، بشبهة قانونية بوجود تضارب في المصالح وإساءة استخدام النفوذ من قبل رئيس الوزراء، السيد إلياس الفخفاخ، بعد أن امتنع عن الرد على طلبات الهيئة. مع العلم أن الأخير قد أقال بشكل غير قانوني العميد شوقي الطبيب من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (INLUCC) في 20 أوت 2020.
وقد جاءت هذه المراسلة في إطار الصلاحيات القانونية للهيئة، المكلفة بالتحقيق والإبلاغ عن حالات الفساد أو تضارب المصالح.
يدّعي الشاكي، وهو مدير إحدى الشركات التي يمتلك السيد الفخفاخ أسهماً فيها، أن رئيس الهيئة ارتكب، من خلال هذه الرسالة، جرائم التزوير واستخدام الوثائق المزورة والكشف عن محتوى رسالة دون إذن، بموجب المواد 172 و173 و176 و177 و253 من القانون الجزائي. ومع ذلك، فإن هذه الأفعال تم ارتكابها في إطار ممارسة مهام عامة، مما يضع المسألة فوراً في نطاق الحصانة الوظيفية.

الإجراءات

منذ المراحل الأولى، اتضحت الصورة. فقد أُحيلت القضية إلى الدائرة القضائية الاقتصادية والمالية، في حين لا يوجد في الملف ما يبرر اختصاصها. ومع ذلك، وفقاً للمعايير القانونية، فإن هذه الدائرة مختصة بالقضايا التي تنطوي على تعقيد خاص، أو درجة عالية من التقنية، أو أبعاد عبر وطنية، وهي شروط غائبة بشكل واضح في هذه القضية.
منذ بدء الإجراءات القضائية، جرت محاولة لتضخيم الأمر وإعطاء انطباع بأن الملف معقد. لكن الإجراءات التعسفية هي التي تكشف بشكل خاص عن هذا الإصرار. ويساهم هذا التوجه الإجرائي المثير للجدل في إضفاء مظهر من الجدية على قضية تندرج في الواقع ضمن إطار إجراء إداري كلاسيكي.
في أوت وسبتمبر 2021، بعد الانقلاب الرئاسي الذي وقع في 25 جويلية، فرض المسؤول في وزارة الداخلية الإقامة الجبرية على العميد شوقي الطبيب دون قرار قضائي.
وفي جانفي 2024، منعه قاضي التحقيق من السفر في قضية أخرى دون استجوابه.
وتعكس هذه الإجراءات المتراكمة – العزل، والإقامة الجبرية، ومنع السفر – ضغطاً مستمراً وغير متناسب على شخصية شغلت مناصب حساسة.

حرمانه من الحصانة

مثل أي رئيس محكمة أو هيئة مكلفة بمكافحة الفساد، يتمتع رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (INLUCC) بحصانة منطقية وضرورية وجوهرية لممارسة مهامه.
ينص الفصل 26 من المرسوم الإطاري عدد 2011-120 المؤرخ 14 نوفمبر 2011، المتعلق بمكافحة الفساد، صراحةً على ما يلي: «يتمتع رئيس وأعضاء هيئة الوقاية والتحقيق بالحصانة من الملاحقة القضائية المتعلقة بممارسة مهامهم. ويتم رفع الحصانة بعد مداولة هيئة الوقاية والتحقيق وبعد استدعاء الشخص المعني للاستجواب.”
على الرغم من وضوح هذا النص وطابعه الإلزامي، فقد استبعد قاضي التحقيق ودائرة الاتهام تطبيقه، بحجة أن هيئة الوقاية لم تكن قد أنشئت. ومن الواضح أن مثل هذا التفسير لا أساس له من الصحة: فلا توجد أي أحكام في الفصل 26 تجعل التمتع بحصانة رئيس الهيئة مشروطاً بوجود هذا الجهاز فعلياً. وعلى أي حال، لا يمكن أن يُعزى عدم وجود هذا الجهاز إلى الشخص المعني ولا أن يبرر المساس بضمان قانوني.
ومع ذلك، في هذه القضية، تم تجاهل هذه الحصانة بكل بساطة. إن التفسير الذي اعتمدته المحاكم يعادل إدخال شرط غير موجود في القانون، في انتهاك لمبدأ الشرعية، ويخل بمبدأ الأمان القانوني واستقلالية المؤسسات على حد سواء.
كما أن هذا النهج يتعارض مع المعايير الدولية المعمول بها، ولا سيما المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن مبادئ حماية العاملين في مجال مكافحة الفساد المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تفرض على الدول ضمان إطار حماية ضد الملاحقات القضائية التعسفية التي تستهدف المسؤولين الذين يتصرفون في إطار ممارسة مهامهم.

عدم احترام الضمانات القانونية

وينص الفصل 46 من المرسوم عدد 79/2011 على هذا النظام، ولا سيما في الفقرة الثانية منه، التي تنص على ما يلي: «يُحال المحامي إلزامياً من قبل الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف إلى قاضي التحقيق، الذي يجب أن يُجري استجوابه بحضور رئيس الفرع المختص أو من ينيبه للغرض.»
وتكشف وثائق الملف أن العميد  شوقي الطبيب قد أُحيل من قبل مساعد للوكيل العام، دون أي تحديد للوقائع المنسوبة إليه. ولم يتم حتى تعيين القاضي المكلف بالتحقيق، وهو ما يعادل التحايل على جميع الضمانات القانونية. ومن شأن مثل هذا الوضع أن يبطل الملاحقات القضائية بموجب المادة نفسها. ومع ذلك، لم تمتنع دائرة الاتهام عن المصادقة على هذه الانتهاكات الصارخة لنص إجرائي واضح رغم ذلك.
ويشكل هذا الانتهاك مخالفة جوهرية من شأنها أن تشوب صحة الإجراءات برمتها. كما أنه يتعارض مع المبادئ الأساسية المتعلقة بدور هيئة المحامين التي اعتمدتها الأمم المتحدة في عام 1990، والتي تضمن استقلالية المحامين وحمايتهم من أي ملاحقة قضائية تتعلق بممارسة مهامهم.

التحقيق الأحادي الجانب

يبدو أن قاضي التحقيق ودائرة الاتهام قد استرشدوا بواجب حقيقي لتحقيق نتيجة محددة: إحالة العميد على الدائرة الجنائية في القسم الاقتصادي والمالي لمحكمة تونس الابتدائية.
ولهذه الغاية، اعتمدوا أقوال الشاكي كدليل إثبات، في انتهاك للمادة 63 من قانون الإجراءات الجزائية، التي لا تسمح باستجواب الشاكي إلا على سبيل الاستنارة.
كما أنهم أغفلوا تحديد العناصر المكونة لكل جريمة من الجرائم المنسوبة إلى رئيس الهيئة، مما أدى إلى خلط تهم الاتهام، بما يتعارض مع متطلبات قانون الإجراءات الجزائية، مع إغفال أسبابها. ومع ذلك، فإن هذه الأسباب تشكل عنصراً أساسياً سواء بالنسبة لقرار ختم التحقيق أو لقرار دائرة الاتهام.
على سبيل المثال، فإن الفعل الذي يشكل تزويراً، بالمعنى المقصود في الفصلين 172 و173 من القانون الجزائي، هو فعل ينشئ أو يثبت حقاً أو وضعاً قانونياً، وفقاً للاجتهاد القضائي الثابت. ومن الواضح أن هذا ليس هو الحال بالنسبة للمراسلة موضوع القضية.
وفي إطار هذا التحقيق الذي يهدف إلى إثبات التهمة بالتحديد، لم يسع قاضي التحقيق إلى الحصول على وثائق الدعوى التي احتكرها الجهاز التنفيذي.
ومع ذلك، طلب العميد وفريق الدفاع عنه مراراً وتكراراً مصادرة الوثائق الأصلية الخاصة بالهيئة، والتي تثبت بوضوح براءته، حيث إنها تتطابق مع البيانات التي قدمها السيد إلياس الفخفاخ بنفسه إلى الهيئة، والتي لم يقم رئيسها سوى بتكرارها في إطار ممارسة مهامه.

اتهام سخيف

وإذا كان الهدف المرجو من كل هذه الترهات هو تبرئة رئيس الوزراء السابق الياس الفخفاخ، فإن هذا السيناريو سيكون بالضرورة غير منطقي، لأن رئيس الحكومة السابق قد اعترف بخطئه عندما قدم استقالته.
وإذا كان الأمر يتعلق بتلاعبات أو وقائع كاذبة، كما يسعى الجهاز التنفيذي جاهداً لإثبات ذلك، لما كان السيد الفخفاخ قد استقال؛ بل على العكس، بالنسبة للسياسيين، فإن الوقوع ضحية لمؤامرة أو تزوير فاضح، كما ادعى المدعي، هو وضع مثالي، مما يختزل كل هذا الاضطهاد الذي يتعرض له رئيس هيئة المحامين شوقي الطبيب، إلى انتقام دنيء لمجرد قيامه بواجبه.
هذا التناقض الواضح بين الرواية الرسمية والوقائع نفسها يسلط الضوء على انعدام مصداقية الاتهام ويعزز فكرة الاستغلال الآلي للعدالة لأغراض سياسية. كما يكشف عن تحول مقلق: وهو تحول نظام يمكن أن يعرض ممارسي المسؤوليات العامة، لا سيما في مجال مكافحة الفساد، لملاحقات جنائية ذات طابع رادع.
ويشكل هذا التطور انتهاكاً للأمن القانوني ويثبط أي إجراء مؤسسي مستقل.

وبمناسبة الجلسة الأولى للنظر في القضية أمام الدائرة الجنائية للفرع القضائي الاقتصادي والمالي بالمحكمة الابتدائية في تونس، في 6 أفريل 2026، تودّ لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس:

1. الإعراب مجدداً عن تضامنها مع العميد شوقي طبيب في مواجهة هذا الملاحقة القضائية التعسفية التي تهدف إلى تشويه صورته وسمعته.
2. الدعوة إلى إحقاق العدالة واحترام القانون، وإلغاء هذه الإجراءات المعيبة وإصدار قرار بوقف الدعوى، فضلاً عن رفع حظر السفر الذي فُرض على العميد.
3. إتاحة أرشيف الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد  (INLUCC) للسلطة القضائية، والكف عن استغلال القضاء التونسي لأغراض الانتقام السياسي.

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى