محمد عبّو : الردّ المُبِين على المُرجِفين..

ليتوقفوا عن الكذب، قد يُطمئن توقفهم من يعتقدون أنهم غير قابلين للإصلاح وأنهم قد يعودون للحكم، فلا يبررون استمرار حكم العبث
دون أدنى شك، لو عاد بي الزمن مع علم مسبق بما سيفعله قيس سعيد ببلادنا وخضوع مؤسسات الدولة لإرادته والانهيار السريع للأحزاب والقوى الحية في المجتمع أمام الغطرسة والانقلاب على دستور الدولة، لما ساهمت في الدعوة لاجراءات استثنائية محدودة في الزمن نص عليها الدستور.
لم أدع يوما لانقلاب ولا لحل المجلس ولا لدستور جديد فذلك غير ممكن قانونا والمشكلة أصلا لم تكن في الدستور الذي شوهته جل الأطراف تبريرا لفشلها، قلت إجراءات استثنائية بدل العنف في الشارع رفضا للحكم بمنطق العصابات وقد كان كذلك.
حصلت ثورة في البلاد ضد الاستبداد والفساد والتهميش، كان من المفروض أن تكون درسا للجميع وما في نصحها ريْب، ومن سعوا في إرجاع ممارسات سبقتها وتخاذلوا في مشروع تأسيس دولة قانون ومؤسسات تكون ديمقرطية وعادلة ومهابة من الجميع حتى لا يجرؤ عليها أحد، لأن مصلحتهم الحزبية والمالية تتنافى مع ذلك، كان عليهم أن يتوقعوا انهيارا وثورة مضادة.
دون رغبة في مزايدات، يوم استقلت سنة 2012، قلت لبعضهم أخشى أن تخرجوا مطرودين، وقد حصل.
لم أتوقع شخصيا أن يقود السيد قيس سعيد هذه الثورة المضادة، ولكنه فعل، فوجد نخبا جلها مكتفية بالحد الأدنى لأسباب معلومة، وبعضها يعمل بحذر وتقشف في الجهد منتظرا حلا من السماء، يعد نفسه في انتظاره للعودة عبر سردية المظلومية وحمايته للديمقراطية والشرعية.
يوم حصل اعتصام الرحيل وجلست كل الأطراف المدعوة لبحث تغيير سياسي تحت ضمانات أجنبية بعدم المحاسبة ثم في مرحلة أخرى بالتعايش المشترك أو الحكم المشترك الذي تحول لاقتسام الفساد واقتسام السيطرة على جزء من القضاة والقيادات الأمنية دفعت لعدم المشاركة في مؤتمر قام على وقائع حسب معلوماتي لم تحصل ووقفت مع الشرعية الى النهاية، مكررا أن التغيير يتم عبر الصناديق.
أسست حزبا مع غيري كان الأكثر ديمقراطية والأكثر من غيره بسنوات ضوئية في شفافية التمويل والتسيير، وأجد اليوم من انتهك لسنوات وبشكل ممنهج الفصل 10 من دستور الثورة المتعلق بواجب الدولة في مكافحة الفساد يتحدث عن شرعية يدعي أني ساهمت في تدميرها! ويتحدث عن ديمقراطية لم يصنها لما كان يجلب أموالا من الخارج للتأثير في الرأي العام واستغلال المهمشين في حملاته وفي التصويت!
ما حصل لم يكن صراعا سياسيا حزبيا أو إيديولوجيا، كما يروجون كذبا ويتبعهم المغفلون.
ما حصل هو ما وصفته سابقا برفض حكم عصابة للبلاد. الحقيقة هي تمويل أجنبي وابتزاز لأصحاب المؤسسات وإثراء غير شرعي للبعض، وتدخل في تعيينات حساسة، وترغيب وترهيب لأصحاب مؤسسات إعلامية وامتلاك بعضها وسيطرة على الشبكة الاجتماعية لتزييف وعي التونسيين والنيل من الأعراض والتحريض على الخصوم. هذه بالنسبة لي وللكثيرين حقيقة يقع إخفاؤها اليوم على التونسيين بادعاء أن نظام قيس سعيد لم يجد دليلا عليها.
قضاة قيس سعيد لا شرعية لأحكامهم، فلا قضاء تحت التهديد ودون ضمانات، وقد ظَلم كثيرا من النهضاويين بالزج بهم في قضايا ملفقة وبعضها شديد السخافة، ولكنّ كثيرا من محاضر البحث والتحقيق التي يجب أن تعرض يوما من جديد على القضاء لما يعود إلى سيره العادي تضمّنت معلومات عن كل ما ذكرت سابقا.
بعد هذه المرحلة يجب إلغاء المحاكمات بقانون وإعادتها، خطوة لا بد منها للقطع مع الفساد السياسي آفة تونس قبل الثورة وبعدها.
في انتظار اليوم الموعود، ليقدموا بادرة حسن نية تثبت قابليتهم للتغيير، بالتوقف عن استغفال التونسيين أولا.
إذا ما اختاروا دورا إيجابيا لتونس ثم لحزبهم، فبدل التهجم على خصوم قيس سعيد بادعاء مبدئية لم يثبتوها بعد الثورة، ليفرضوا نشاطهم الحزبي الممول قانونا ولينظموا مؤتمرا يفرز قيادة لم تستفد ماليا من السياسة ولم تقد حملات المغالطة والتشويه والتحريض ولم تتورط في مناورات العبث بالحياة السياسية ومازال بينهم بعض النزهاء عبنا عليهم صمتهم، وليجتمعوا مع غيرهم من الأحزاب بما في ذلك من كانوا مع 25 جويلية دون 22 سبتمبر ومن كانوا مع انقلاب 22 سبتمبر ثم تراجعوا ولو بعد سنوات وليقدموا وجوها لم تتورط. سبق لهم التطبيع مع من عذّب واغتصب فلا يدعوا في إطار تبرير التخاذل رفضا لمن كان مع 25 جويلية أو لمن برر الانقلاب، فهم زملاء لهم في عدم احترام الدستور، علها تكون توبة جماعية.
إذا اختاروا السكون الشتوي والصيفي وبعض المناوشات الوديعة مع النظام، الشديدة مع خصومه، انتظارا لحل سماوي فليرحلوا عن سماء هذه البلاد في نكبتها، أصلا لا أحد ينتظر منهم حضورا جماهيريا ولا قدرات خاصة ولا دورا محوريا.
في انتظار التوقف عن الكذب إن استطاعوا إليه سبيلا، أقول للمغرر بهم من أتباعهم حكومة الجمني أسقطها السيد راشد الغنوشي، وأصلا تركيبتها لم تكن معقولة، يمكنكم استفسار السيد طارق الكحلاوي عن لقاء حضره معنا، اشتراط الوزارات كان خطأ اتصاليا مني غايته إثبات نظرية خوف النهضة من المحاسبة، رأيي الخاص عرضته في مؤتمر التيار بعدم المشاركة في الحكم إن لم نفز بالمرتبة الأولى، وعبرت عنه في صفحتي ليلة فرز نتائج الصناديق في التشريعية بالبقاء في المعارضة، وما حصل بعده شأن حزبي أتحمل فيه مسؤوليتي لأنه كان يمكنني تمرير رأيي الذي كان أغلبيا في البداية. يمكن لمن له الوقت للبحث قبل التعليق، الاطلاع على كل التفاصيل في المرجع أدناه (التعليق 1) أما التونسيون فلم تضرهم المشاركة في الحكم في شيء بل قُدّم فيها أداء، منه ما لم تعرفه البلاد عبر تاريخها حسب علمي ورأيي ولست أبدا معني بإقناع الأغلبية. الأغلبية لا قيمة لها في التغيير بل عادة تكون عائقا له، هدفي العقلاء ومن قرروا أن يتغيروا، ومن صرخت في عروقهم الدماء.
هي فرصة لبعض العقْل. فرصة لتونس، اجتماع جل القوى رغم خلافاتها لطلب واحد، هو وضع حد للعبث الذي يعول فقط على قوى صلبة قد ينتهك بعضها حقوق الإنسان التونسي في البداية، ولكنّهم سيتوقفون في مرحلة ما، فلن يكونوا يوما أعداء لأبناء وطنهم أو يتورطوا في جرائم ضد الإنسانية من أجل أي كان.
يمكن الاتفاق اعتبارا لحالة الضعف، على الصبر على النظام القائم حتى 2029 بشرط صوت موحد يوجه للداخل وللخارج أنه سيكون انقلابا تساهم فيه أجهزة الدولة بقاؤه في السلطة لدورة ثالثة، وأن بقاء “كوموند حبس التونسيين” بيده أو بيد وزيرته في الأثناء، خط أحمر.
من واجب الجميع عدم التخلف عن معركة فرض قاعدة ألا حكم لتونس خارج القانون وبإذلال شعبها. التخلف خيانة، ولن تفيد أي طرف المناورات والتفاهات وتتفيه الحلول مع غياب البديل عنها. والسلام
محمد عبو
مصدر التدوينة :

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى