اللائحة السياسية لمؤتمر حزب التيار الديمقراطي : نحو أفق ديمقراطي جديد

- مدخل عام
ينتمي التيار الديمقراطي إلى العائلة الاجتماعية الديمقراطية، ويستند في مرجعيته إلى أدبيات اليسار الديمقراطي التي تسعى إلى التوفيق بين الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يضع الحزب الديمقراطية التمثيلية في صلب مشروعه السياسي، باعتبارها منظومة متكاملة تتجاوز بعدها الإجرائي لتشمل القيم والممارسات التي تؤسس لدولة القانون وتضمن كرامة المواطن وتكافؤ الفرص.
ويرى التيار الديمقراطي أن ترسيخ الديمقراطية التمثيلية يمثل الخيار السياسي الأكثر قدرة على ضمان التوازن بين الحرية والتعددية من جهة، وبين الاستقرار المؤسساتي من جهة أخرى والإطار الأنجع لإدارة الاختلاف داخل المجتمع. وفي المقابل، يعتبر التيار الديمقراطي أن الخطاب الشعبوي التسلطي لم يعد مجرد ظاهرة صاعدة، بل عنصرا مهيمنا على المشهد السياسي، تفرض منطقها وتعيد تشكيل أولويات النقاش العام. إذ تعتمد هذه الشعبويات على التستر وراء شعارات سيادوية زائفة وتقديمها في تعارض مفتعل مع الحرية، لتبرير ضرب التعددية والتشكيك في المؤسسات وتقويض الضمانات الديمقراطية.
غير أن التحولات التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة، بما في ذلك صعود الظواهر الشعبوية في عديد الديمقراطيات، تفرض إعادة التفكير في شروط اشتغال الديمقراطية وحدودها. فالشعبوية لا تنشأ خارج الأنظمة الديمقراطية، بل تتغذى من أزماتها وتوتراتها، مستفيدة من تراجع الثقة في النخب، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتنامي الشعور بالتهميش. وهي في هذا السياق، تقدم نفسها عبر خطاب يقوم على تبسيط الواقع السياسي واختزاله في ثنائية حادة بين الشعب والنخبة.
فقد أفرز المسار الذي انطلق بعد الثورة تجربة ديمقراطية تعددية، غير أنّها ظلّت محدودة الأثر على المستوى الاقتصادي والاجتماعي و المؤسساتي، وهو ما ساهم في تآكل الثقة في الفاعلين السياسيين وفي المؤسسات التمثيلية. وفي هذا السياق، برزت الشعبوية كخطاب يحتكر تمثيل الشعب، يرتكز على تعريف قصووي للسيادة الوطنية، في شكل مشروع مختلّ قائم على وهم الديمقراطية المباشرة المتمثّلة في “البناء القاعدي” كمدخل لمعالجة الأزمات، وذلك على حساب الضمانات الديمقراطية والتوازنات المؤسساتية.
وقد وجدت هذه الشعبوية تعبيرها الأقصى في تحوّلها إلى سلطة قائمة، قامت على تفكيك المنظومة الدستورية السابقة وإعادة تركيز السلطة التنفيذية، في مسار انقلابي على قواعد التوازن الديمقراطي، ما أدّى إلى إضعاف الوسائط السياسية وتهميش المؤسسات المنتخبة، وإعادة تعريف الشرعية خارج الأطر الديمقراطية.
ويعتبر التيار الديمقراطي أن فهم هذه الظاهرة يقتضي تجاوز المقاربات الاختزالية، سواء تلك التي ترفضها جملة أو التي تتبناها دون نقد، نحو مقاربة تحليلية تسعى إلى تفكيك شروط نشأتها وديناميكيات تطورها. فالتحدي لا يكمن في مواجهة الشعبوية كشعار، بل في معالجة الأسباب التي أدت إلى صعودها، وعلى رأسها ضعف الوعي السياسي العام وضعف الأداء الاقتصادي وأزمة الثقة وعجز المنظومة السياسية عن التجدد.
وعليه، فإن هذه اللائحة السياسية تمثل إطارا مرجعيا لبلورة بديل ديمقراطي إصلاحي، يهدف إلى إعادة وصل الديمقراطية بمضامينها الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز نجاعتها، واستعادة الثقة في مؤسساتها، بما يضمن التوازن بين الحرية والسيادة، وبين الإرادة الشعبية وحكم القانون.
كما يجدد التيار الديمقراطي التزامه بالعمل من أجل بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، ومنفتحة على مجتمعها، وقادرة على الاستجابة لتطلعات التونسيين في الحاضر والمستقبل.
- استرجاع مسار الانتقال الديمقراطي
يعتبر التيار الديمقراطي أن المحدِّد الجوهري في صياغة العمل السياسي، وفي اتخاذ المواقف السياسية عموماً، هو منظومته القيمية ومبادئه العامة، وإيمانه الراسخ بأن الديمقراطية تشكّل أساس الحداثة والإطار الجامع الذي تتحقق داخله العدالة الاجتماعية ويُبنى من خلاله تقدم المجتمع. وفي هذا السياق، تقوم الرؤية السياسية للتيار الديمقراطي في المرحلة القادمة على :
أولاً: السعي إلى استرجاع مسار الانتقال الديمقراطي بالوسائل السلمية المتاحة، إيماناً منه بمسؤوليته الوطنية والتاريخية كطرف معارض وطني مسؤول، واعتبارها مطلباً أصلياً لثورة 17 ديسمبر / 14 جانفي، وقع الانقلاب عليه.
ثانياً: يكون العمل السياسي في إطار إمكانيات الفعل المتاحة، بهدف تحقيق مناخ ديمقراطي قائم على التنافس الحر للوصول إلى مؤسسات تمثيلية تمتلك من الصلاحيات ما يتيح لها مساحات التغيير والإصلاح، وفق توجهات واضحة ومعلنة، ووفق آليات للتقييم والمحاسبة.
ثالثاً: يعتبر التيار الديمقراطي أن المنظومة المؤسساتية المنبثقة عن مسار 25 جويلية ودستور 2022، من برلمان تابع ونواب موالين لسردية السلطة، وحكم محلي قائم على بناء قاعدي زبوني منزوع السلطات والصلاحيات، لا تعبر عن فصل حقيقي للسلطات ولا عن مبدأ مراقبة السلطات الذي تحتمه دولة القانون والمؤسسات، وتمثل انتكاسة للمطلب الديمقراطي الذي جاءت به ثورة 14 جانفي.
رابعاً: يعتبر الحزب أن إصلاح هذا الانحراف السياسي والمؤسساتي لما يسمى بمسار 25 جويلية يمر بالضرورة عبر تغيير رأس السلطة، بوصف خطة رئيس الجمهورية هي الوحيدة القادرة، حسب البناء القانوني والمؤسساتي القائم، على الفعل والتغيير السياسيين.
خامساً: اعتباراً من تقدير هذا الموقف (النقطة الرابعة)، يدعو كافة أطراف المعارضة الديمقراطية الوطنية إلى الاتفاق حول خارطة طريق واضحة منشورة أمام الشعب، في محاولة لتركيز مؤسسات البناء الديمقراطي وإعادة مبدأ مراقبة السلطات، والاتفاق على ملامح مسار الرجوع إلى فضاء المنافسة السياسية الديمقراطية، من حيث مبادئه وآلياته وقوانين “اللعبة السياسية”، في خطوطها العريضة على الأقل.
سادساً: يدعو التيار الديمقراطي كل القوى الحية إلى النضال من أجل فرض مناخ انتخابي يحقق شروط المنافسة الحرة والديمقراطية في المحطة الانتخابية الرئاسية القادمة، مما يتيح للحزب خوض غمار هذه الانتخابات أو دعم مرشح ديمقراطي مشترك إذا توفرت الظروف لذلك. كما يحذر التيار الديمقراطي الشارع السياسي من إمكانية استعمال السلطة السياسية الحالية لكل التأويلات الانفرادية لتبرير عهدة جديدة، ثم – إن اقتضى الأمر- تعديل الدستور على شاكلة فرض دستور 2022 تحت الغطاء المعهود “الشعب يريد”، أو ترويج سردية “التفويض الشعبي” أو إعادة مناخ رئاسيات 2024 من خلال سياسة التخويف وعدم السماح لأي طرف بمنافسته في انتخابات حرة ونزيهة.
- التموقع السياسي
يعتبر التيار الديمقراطي نفسه حزبا معارضا لسلطة الانقلاب، معتبراً أنه مسؤول تجاه الشعب بأن يسعى لإيجاد بديل ديمقراطي اجتماعي، جدي وعقلاني.
يمثل التيار الديمقراطي عنصر اسناد للحراك الحقوقي بالتنسيق المتواصل مع قوى المجتمع المدني و كل ضحايا القمع من أجل رفع المظالم و إيقاف مختلف الانتهاكات و التصدي لسياسة الترهيب و تكميم الأفواه.
يعتبر الحزب ان المعطى الاقتصادي والاجتماعي، هو أحد أبرز ركائز التصور والخطاب المعارض الذي يتبناه، وهو لا يقل اهمية على المعطى السياسي والحقوقي. في هذا الإطار يرى الحزب وجوب التركيز على الترويج لمبادئ وركائز دولة الرفاه والعدالة الاجتماعية، وأن تكون هذه المرتكزات محددة في بناء التحالفات الحزبية والتموقع داخل المشهد العام
يحرص الحزب على تعزيز حضوره الفعال في الجهات والمحليات والأحياء عبر الانخراط في الحراك الاجتماعي والبيئي والمساهمة في تأطيره. كما يعمل على بناء شراكات فاعلة مع المنظمات الناشطة محليا والتي تتقاطع مع توجهات الحزب بما يعزز قدرته على التأثير في الفضاء العام.
يرى التيار الديمقراطي ضرورةً في التقاء المعارضة الديمقراطية الوطنية حول عقد ديمقراطي يكون قاعدة صلبة المبادئ والرؤى العامة المشتركة داخل المعارضة.
كما يؤكّد التيار الديمقراطي على إيمانه المتجدد و سعيه الدائم، كما تنص أدبياته، إلى بناء يسار اجتماعي ديمقراطي كبير، بدل مواصلة التشتت داخل نفس العائلة السياسية، يقوم على التنسيق المضموني وتوحيد الرؤى المستقبلية في شكل جبهة اجتماعية ديمقراطية.
- السياسة الخارجية
ينطلق التيار الديمقراطي في تصوره للسياسة الخارجية من اعتبارها امتدادًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وأداةً لحماية مصالح البلاد التونسية العليا في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى وفي أشكال الاصطفاف الإقليمي والدولي.
وعليه، يتمسك الحزب بضرورة بناء سياسة خارجية مؤسساتية، متوازنة، واقعية و شفافة تُدار وفق منطق الدولة لا منطق الشخصنة، وتقوم على وضوح الخيارات الإستراتيجية، وتماسك القرار، وربط التحرك الخارجي بالأمن القومي لتونس في أبعاده الشاملة: الأمنية، والاقتصادية، والطاقية، والغذائية، والمالية. كما يؤكد على ضرورة الاستعداد الجدي لتداعيات الحروب والأزمات الإقليمية على ملفات الهجرة، والأمن الإقليمي، والتمويل، والعلاقات مع الشركاء الدوليين، بما يضمن حماية تونس من ارتداد الأزمات، أو أن تتحول إلى طرف ضعيف في معادلات إقليمية أو دولية. فالمطلوب اليوم ليس مجرد التفاعل مع الأحداث، بل بناء سياسة خارجية استشرافية تحصن القرار الوطني، وتمنح تونس موقعًا محصنا في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي علاقة تونس بالاتحاد الأوروبي، يتمسك التيار الديمقراطي بمبدأ الشراكة الندية والواضحة، القائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على منطق الإملاء أو التبعية أو توظيف هشاشة الوضع الداخلي لفرض ترتيبات غير متوازنة. ومن هذا المنطلق، يطالب الحزب بإخضاع كل الاتفاقات الكبرى مع الاتحاد الأوروبي إلى نقاش وطني شفاف، سياسيًا ومجتمعيًا، بما يضمن حق التونسيين في معرفة طبيعة الالتزامات التي تُبرم باسمهم، وحدودها، وانعكاساتها على السيادة الوطنية وعلى الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. كما يرفض الحزب اختزال العلاقة الإستراتيجية مع أوروبا في ملف الهجرة فقط، ويؤكد بوضوح أن تونس ليست حارس حدود لأحد، ولا يمكن أن تُختزل وظيفتها الإقليمية في لعب دور أمني يخدم الأولويات الأمنية لغيرها. وعلى هذا الأساس، يدعو الحزب إلى التوجه نحو إعادة ترتيب أولويات التفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، والانتقال الطاقي، والبحث العلمي، والتكوين، وفتح آفاق أوسع أمام الشراكات التي تخلق القيمة المضافة داخل تونس وتدعم التشغيل.
في ملف الهجرة، يتمسك الحزب بمقاربة وطنية شاملة تعتبر هذا الملف شأنًا سياديًا وإنسانيًا وتنمويًا في الآن نفسه. فهو يرفض كل مقاربة تحول تونس إلى فضاء احتواء خارجي للمهاجرين أو إلى منصة لتصدير أزمات الغير. كما يرفض كل خطاب عنصري أو مهين للكرامة البشرية يتعارض مع قيم الدولة التونسية والقانون والكرامة الإنسانية. ويدعو في المقابل، إلى وضع سياسة واضحة للتعامل مع الهجرة الوافدة إلى تونس تقوم على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتنظيم الوجود الأجنبي بما يحفظ الأمن العام والكرامة الإنسانية معًا.
كما يؤكد التيار الديمقراطي دعمه الثابت لحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، باعتبار القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني وعدالة وكرامة، والتزامًا مبدئيا ضد الاحتلال والعدوان و التهجير، وانحيازًا واضحا إلى القانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. ويدعو الحزب إلى أن تترجم تونس هذا الموقف إلى دعم فعلي بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والحقوقية والإنسانية المتاحة لها، بما يعزز حضورها المنحاز للحق الفلسطيني في مختلف المحافل. كما يتمسك الحزب بكون القضية الفلسطينية نقطة إجماع وطني راسخة، غير قابلة للمزايدة أو الاستثمار السياسي أو التوظيف التقسيمي، باعتبارها من الثوابت الجامعة التي ينبغي أن توحد التونسيين لا أن تتحول إلى محور تنازع أو تسجيل المواقف الظرفية.
ويؤكد الحزب على ضرورة تعزيز الحضور التونسي في أفريقيا، وتوجيه السياسة الخارجية نحو بناء شراكات أفريقية حقيقية في الغذاء، والدواء، والتعليم، والخدمات، والاستثمار، بدل حصر العلاقة مع القارة في بعدها الأمني المتعلق بملف الهجرة.
كما يرى الحزب ضرورة اعتماد دبلوماسية اقتصادية نشطة تجعل من تنويع الشركاء الاقتصاديين والماليين خيارًا استراتيجيًا، وتربط الشراكات الخارجية بأهداف داخلية واضحة، في مقدمتها التشغيل، ونقل المعرفة، ورفع القيمة المضافة المحلية، ودعم القطاعات المنتجة. وفي هذا الإطار، يعتبر الحزب أن التونسيين بالخارج جزء لا يتجزأ من المجال الوطني، ومكوّنًا أساسيًا من القوة الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية لتونس، بما يقتضي تثمين دورهم كسفراء للبلاد، وتحسين الخدمات الموجهة إليهم، وتشجيع مساهمة كفاءاتهم وخبراتهم في الاستثمار، ونقل المعرفة، والدفاع عن صورة تونس ومصالحها في مختلف دول العالم.











