“غسيل الأموال” عنوانًا لتجريم العمل المدني: قضيّتا سعدية مصباح وسلوى غريسة نموذجًا
المفكرة القانونية

تنعقد اليوم الخميس 19 مارس 2026 جلستان منفصلتان من قضايا تجريم العمل المدني، في المحكمتين الابتدائيّتين بتونس العاصمة وبنزرت. الأولى لنشطاء جمعية منامتي لمناهضة العنصريّة، وفي مقدمتهم سعدية مصباح التي تقبع في السجن منذ أكثر من 680 يومًا. أمّا الثانية، فتشمل أعضاء جمعية تفعيل الحقّ في الاختلاف، وأوّلهم سلوى غريسة، الموقوفة هي الأخرى منذ 10 ديسمبر 2024 لتمضي بذلك أكثر من 460 يومًا في السجن من دون محاكمة. ما يجمع بين القضيّتين لا يقتصر على سجن مناضلتيْن على خلفية نشاط حقوقي، ولكن أيضا طبيعة التهم الموجّهة، وأبرزها غسيل الأموال ممن استغلّ التسهيلات التي خولتها له خصائص وظيفته أو نشاطه المهني أو الاجتماعي، والتي تصل عقوبتها إلى 10 سنوات سجنًا.
وتتزامن الجلستان تقريبا مع إصدار قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، في بداية الأسبوع، 7 بطاقات إيداع بالسجن في حقّ مناضلي ومناضلات أسطول الصمود، بعد إحالتهم بتُهم عديدة ذات طبيعة مالية، وأهمّها غسيل الأموال. جاءت الإيقافات بعد حملة تشويه الكترونية انخرط فيها أبواق السلطة منذ أشهر، وتزامنًا مع تقدّم التحضيرات لانطلاق أسطول ثان لكسر الحصار عن غزة، وقرار النظام بمنع ذلك.
لا يقتصر الاستعمال السياسي لتُهمة غسيل الأموال على هذه القضايا. بل نجدها في قضايا عديدة لتجريم العمل السياسي، مثل قضايا الصحبي عتيق ورياض بن فضل ولطفي المرايحي ومؤخرا سمير ديلو، وحتى العمل الإعلامي، في حالتي مراد الزغيدي وبرهان بسيّس، والقائمة أطول بالتأكيد. تواتر استعمال التهمة في قضايا ذات طابع سياسي ومن دون توفّر أبسط شروطها، يُبرز أنّ الأمر لا يتعلّق بتعسّف من بعض القضاة في تطبيق النصّ، بل بسياسة جزائيّة معمّمة. والغرض منها واضح: التجريم والتشويه، العزل المادي والمعنوي.
سنتناول في هذا المقال قضيّتي سعدية مصباح وسلوى غريسة، انطلاقا من قراري دائرة الاتهام اللذيْن أحيلتا بمقتضاهما، لنفكّك (سوء) التطبيق القضائي لجريمة غسيل الأموال في قضايا لا تمتّ بأيّ صلة لفكرة هذه الجريمة ونصّها وشروطها. يكفي لذلك أن ندقّق في شرطيها الأساسيّين: يتطلب الأوّل أن يكون مصدر الأموال نشاطًا إجراميّا، فيما يتمثّل الثاني في عملية “الغسيل” في حدّ ذاتها، أي التبرير الكاذب أو إدماج المال في الدورة الاقتصادية. ورغم أنّ بقيّة القضايا السياسيّة تحتاج عملا خصوصيّا حسب كلّ ملفّ، إلاّ أنّ الخلاصات لن تختلف كثيرًا. فمن سمات المحاكمات السياسيّة هي أنّ كلّ ملفّ منها يمكن أن يصلح كلائحة إدانة لنظام الحُكم بأكمله.
اختلاق “جريمة أصلية”
ارتبطت جريمة غسل الأموال في نشأتها الحديثة في أواسط الثمانينات بمكافحة “الجريمة المنظمة” والعابرة للأقطار، وتحديدا بالحرب الأمريكية على المخدرات. ثمّ سرعان ما وقع تصديرها في العالم خصوصًا منذ التسعينات، قبل أن تقترن أيضا في بداية الألفينات بالحرب على الإرهاب ومكافحة سبل تمويله. وفي هذا السياق صدرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وأصدر نظام بن علي في 2003 قانون “دعم المجهود الدولي” لمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال، الذي أثار جدلا كبيرا لغياب أبسط الضمانات الحقوقية. ثمّ تكرّر الربط ذاته بعد الثورة، في قانون 2015 الذي نسخ وعوّض قانون 2003 وربط مجدّدا بين مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، وتضمن صلاحيّات أمنية استثنائيّة يجري استعمالها اليوم في قضايا سياسيّة أبرزها قضية التآمر.
في مختلف التشريعات، أهمّ خصوصيّات جريمة غسيل الأموال هي أنّها تشترط جريمة أصلية قبلها، وهي المعروفة في الفقه وفقه القضاء بـ “الجريمة الأصلية” أو “الجريمة المفترضة”. وقد أضاف قانون 2015 معيارا لها، وهي أن يكون النشاط الإجرامي الأصلي يستوجب عقوبة بالسجن لا تقلّ عن 3 سنوات، أو أن يكون من الجنح الديوانية. ورغم أنّ المعيار يبقى واسعًا نسبيّا، إلاّ أنّ الأهمّ هو ذلك أنّ الأموال التي يجرّم “غسلها” لا تتأتى من أيّ مخالفة للقانون، وإنما تفترض أوّلا فعلا إجراميا، وثانيا حدّا أدنى من “الخطورة”. وهي عادة، في فقه القضاء، مرتبطة بجرائم الاختلاس والرشوة وتجارة المخدرات والأسلحة.
فماهي “الجريمة الأصليّة” في تمويلات جمعيات المجتمع المدني حسب قضاة دائرة الاتهام؟ تكفي قراءة لائحة التهم لاستنتاجها. في قضية سلوى غريسة، هي من ثلاثة أصناف: جرائم صرف حسب الفصول 6 و7 و20 و21 و35 من مجلة الصرف والتجارة الخارجية، و”تدليس معلومات” وفق الفصل 23 من المرسوم 54، و”مخالفة قانون الجمعيات”، وتحديدا الفصل 35 من المرسوم 88.
تتعلّق الأخيرة بـ “قبول مساعدات أو تبرعات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات ديبلوماسية أو عن منظمات تدافع عن مصالح وسياسات تلكم الدول”. وهي ليست جريمة ترتّب عقابا جزائيا، وإنما مخالفة يترتّب عنها عقوبة إدارية/قضائية للجمعية وفق المرسوم 88. والأهمّ، هو أنّ لا شيء في الملفّ يُشير إلى أيّ تمويل من دولة لا تربطها علاقات بتونس، إلا إذا اعتبرنا أنّ هولندا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لا تربطها علاقة دبلوماسية بتونس، ولا حتى يربط بين جهات التمويل المذكورة (المعهد الجمهوري الدولي وأوكسفام) ودعم السياسات الإسرائيلية، كما يفترض الفصل.
مردّ الإشارة لمخالفة المرسوم 88، هي إذًا إبطال الطابع القانوني للتمويل الأجنبي (الذي يضمنه المرسوم نفسه)، كي يتسنى اللجوء إلى “جرائم الصرف”. ولكن هنا أيضا، الفصول المذكورة لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تنطبق على تمويل الجمعيات. إذ يتعلق الأمر بواجب إيداع الأموال الأجنبية لدى وسيط مصرفي (الفصل 6)، وإحالتها إن لزم إلى البنك المركزي (الفصل 7)، وإعادة المداخيل المحققة في الخارج إلى تونس (الفصل 20)، وأن تتمّ الدفوعات بين المقيمين، داخل البلاد التونسية (الفصل 21)، في حين يرتّب الفصل 35 على مخالفة كلّ هذه الفصول عقوبة بين شهر و5 سنوات سجنًا.
أمّا الفصل 23 من المرسوم 54، فيعاقب بـ 5 سنوات سجنا كلّ من “يتعمد ارتكاب تدليس من شأنه إلحاق ضرر وذلك بإدخال بيانات معلوماتية، أو تغييرها، أو فسخها، أو إلغائها”. هنا أيضا، لا يفصّل قرار دائرة الاتهام أيّ فعل يندرج ضمن هذا التكييف، باستثناء إشارة إلى عدم مسك الدفاتر المحاسبية والقوائم المالية طبق القانون والتراتيب، وهي لا تعني بأي حال من الأحوال تدليسا إلكترونيا ! نحن إذًا، بوضوح، إزاء جرائم خُلقت لتبرير اللجوء إلى التهمة الأساسية، وهي غسيل الأموال.
المسألة أقلّ تعقيدًا في قضيّة سعديّة مصباح ومناضلي “منامتي”. فالجريمة الأصلية هي حسب دائرة الاتهام “الإثراء غير المشروع” كما جاء في قانون 2018. يتعلّق الأمر، بالنسبة لسعديّة مصباح، بتحويلات من حساب الجمعية لحسابها الشخصي، من أجل مصاريف عاجلة في إطار التدخل الإنساني للجمعية في جائحة كوفيد، مع العلم أنّ الجمعيات لا يمكن لها أن تصرّف أكثر من 500 د نقدًا يوميّا، بما يُعيق حركتها لمجابهة وضعيات عاجلة. بالإضافة إلى تحويليْن من منظمة دولية على حسابها الشخصي، وذلك مقابل أعمال موثّقة في مجال خبرتها. أمّا بقية المتهمين، فقد جمعتهم بجمعية منامتي عقود إسداء خدمات لفترات متفاوتة في إطار العمل على مشاريع الجمعية بمهامّ واضحة. اعتبرت الدائرة أنّ مجموع المبالغ التي تحصّل عليها كلّ متهم (ونتحدث عن مئات الدنانير فقط كمبلغ جملي بالنسبة للبعض) لا تتماشى مع الأعمال المنجزة، وذلك خلافا لقاضي التحقيق الذي كان قد حفظ التهم في حقّهم. حتى مالكة مقرّ الجمعية، التي تقتصر علاقتها بها على تسويغ المنزل مقابل إيجار يوافق معايير السوق، وُجّهت لها التهمة. ولا يهمّ إن كان تعريف جريمة الإثراء غير المشروع يفترض زيادة “هامّة” في مكاسب الشخص لا يستطيع إثبات مشروعيّة مصدرها. هنا أيضا، تبدو جريمة الإثراء غير المشروع فقط مدخلا أوجده قلم التحقيق ثمّ دائرة الاتهام للتهمة الأساسية، وهي غسيل الأموال.
“غسل” الأموال: جريمة بلا أركان
تهافت الملفّيْن لا يظهر فقط في غياب جريمة أصلية شكّلت مصدرا للمال المدنّس. بل يشمل أيضا باقي أركان جريمة غسل الأموال. فهي تعني “إضفاء مظهر الشرعية” على أموال متأتية من مصدر غير مشروع. يفترض ذلك فعلا مادّيا، يمكن أن يتّخذ صورتين حسب قانون 2015. الأولى هي “التبرير الكاذب”، أي تزييف الحقائق لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال. وهو ما لا يتوفّر أبدًا في القضيّتين، ببساطة لأنّ مصدر “الأموال” معروف ومشروع لا يوجد أيّ داع لإخفاءه. أمّا الصورة الثانية، فتتمثل في توظيف تلك الأموال أو إدارتها، بما يسهّل إدماجها في الدورة الاقتصادية. وهي تفترض أيضا إخفاءً وتمويها لا يتوفّر في الملفّين. أمّا عدم تعريف عقود إسداء الخدمات بالإمضاء أو عدم تسجيلها بالصيغة اللازمة أو غيرها من التفاصيل أو الشكليات، فلا يشكّل في حدّ ذاته تزييفا ولا تمويها ولا فعلا إجراميا، فما بالك بقرينة على غسيل أموال.
في نفس السياق، من الواضح أنّ القصد الجنائي الخاصّ، وهو من شروط جريمة غسل الأموال، غائب في القضيّتين. وقد عرفّه فقه القضاء على أنّه “علم الجاني بأن المال موضوع الغسيل متحصل من نشاط إجرامي أو مصدر غير مشروع وانصراف نيته إلى إخفاء ذلك المصدر والتمويه بدمج الأموال المغسولة في الدورة الإقتصادية وإضفاء المشروعية عليها”. إذ لم يكن يتبادر للنشطاء المتهمين في القضيّتين، وبالأخصّ للموقوفتيْن سعدية مصباح وسلوى غريسة، أنّ تمويل الجمعيات يمكن أن يكيّف بهذا الشكل. في قضايا أخرى لغسيل الأموال، استنتجت المحاكم القصد الجنائي مثلا من عمليات إيداع متعدّدة ومقسّمة للأموال المتأتية من التهريب، إما مباشرة أو من طرف أشخاص آخرين بإيعاز من المتهم (محكمة التعقيب، قرار جنائي عدد 86682، 25 /02/ 2020).
سواء في جعية منامتي أو جمعية تفعيل الحقّ في الاختلاف، نحن أمام أموال مصدرها معلوم وقانوني. حتى المبالغ الذي لم يتسنى للخبيريْن إثبات مصدرها من تمويلات جمعية منامتي، والبالغ مجموعها 13 ألف دينار، فهي مجموعة تبرعات من أعضاء ومساندين للجمعية، تمت من خلال تحويلات بنكية (أي بكلّ شفافية)، ويُفترض أنّ البنوك قادرة على إثبات مصدرها. فالجمعية كانت تموّل منذ 2013 حتى 2018 فقط من خلال تبرعات أعضائها، ولم تبدأ في الحصول على تمويلات أجنبية إلا بعد مساهمتها الناجحة في إصدار قانون يجرّم التمييز العنصري في تونس. هنا أيضا، لا يمكن اعتبار سوء جودة الخدمات البنكية، وقلة اجتهاد الخبير، ولا حتى عدم التزام الجمعية بكامل واجباتها في علاقة بالسجلات والوثائق (وهو ما يستوجب وفق القانون رقابة وعقوبات تدريجية للجمعية تبدأ بتنبيهها للإخلالات، وليس تجريما لمسؤوليها)، قرينة على غسل أموال.
حين تُوجّه التهمة ويُنطق بالإدانة… قبل انطلاق الأبحاث
لا يُمكن فهم هذه الملفات من دون وضعها في سياقها، وذلك انطلاقا من مسارها الإجرائي. تظهر الإرادة السياسيّة خلف الإيقافات في تزامنها. إذ تمّ تحريك ملفّ منامتي بسرعة ملحوظة في 6 ماي 2024 وإيقاف سعديّة مصباح مباشرة. وهو الشهر ذاته الذي أوقفت فيه شريفة الرياحي ونشطاء “أرض اللجوء – تونس” وأعضاء المجلس البلدي بسوسة بسبب عقدهم شراكة مع الجمعية، وكذلك عبد الرزاق الكريمي ومصطفى الجمالي من المجلس التونسي للاجئين، فضلا عن سنية الدهماني وبرهان بسيس ومراد الزغيدي. جاء إيقاف سعديّة مصباح بعد حملات من التشويه الالكتروني، واتهامات “بالتوطين” بناء على سرديّة عُنصريّة تبناها رئيس الدولة نفسه في بلاغ 21 فيفري 2023. لكن على خلاف قضيتي “أرض اللجوء” و”المجلس التونسي للاجئين”، لم يتمّ استعمال قانون 2004 أو 1968 والتهم المتعلّقة بتجريم الهجرة، وإنما تُهم ذات صبغة مالية، خصوصًا وأنّ جمعية منامتي لا تقدّم خدمات لطالبي اللجوء والمهاجرين.
أمّا سلوى غريسة، التي تمّ إيقافها في ديسمبر من العام نفسه، فقد بدأت الأبحاث في حقّها في نفس توقيت إثارة ملفّ منامتي، بما أنّ محضر البحث يعود إلى جوان 2024. لكنّ ملفّها، على عكس ملفّ جمعية منامتي، لم يتضمن تعيين خبراء ليدقّقوا في المسائل المالية، وإنما استند إلى تقرير للجنة التونسية للتحاليل المالية، يعود إلى ديسمبر 2023. وهي التي أنشئت في 2003 خصيصا لمكافحة غسيل الأموال من خلال التدقيق في المعاملات المالية المسترابة. وهو تقرير غريب جدّا، لا يليق بالحدّ الأدنى من الكفاءة المُفترض توفّرها في هذه المؤسسة. إذ لم يتضمّن ما يفيد شبهة غسيل أموال، ولا أيّ معاملة مالية مسترابة. ولكنه في المقابل شدّد على ارتباط منظمة “أوكسفام”، وهي أحد جهات التمويل، بـ “فضائح أخلاقية تورّط فيها بعض العاملين في المنظمة”. كما اعتبر أنّ عنوان “مشروع التحولات السياسية”، الذي تحصّلت بموجبه جمعية تفعيل الحقّ في الاختلاف على تمويل من المعهد الجمهوري الدولي، “قد يدخل ضمن تمويل ودعم أهداف سياسيّة غير معلنة”، خصوصًا وأنّه حصل في 2022، في تلميح إلى “مؤامرة” لإسقاط نظام 25 جويلية باستعمال التمويل الأجنبي للجمعيات، من دون أيّ دليل أو مؤشّر على ذلك.
ما الذي يُمكن أن يدفع جهة مثل لجنة التحاليل المالية، التي يُفترض أن تبحث في مسائل مالية متشعّبة وتكافح الجريمة المنظمة، أن تنحدر إلى هذا المستوى في تحاليلها ؟ الجواب لا يحتاج الكثير من الجُهد. فقبل إنهاء هذا التقرير ببضعة أشهر (سبتمبر 2023)، قام الرئيس قيس سعيّد بزيارة فُجئية للبنك المركزي، اعتبر فيها أنّ “لجنة التحاليل المالية لم تقُم بدورها على الوجه المطلوب”، مشيرا إلى التحويلات المالية التي تصل إلى المهاجرين في مدينة صفاقس (والتي سبق وأن اعتبرها دليلا على مؤامرة “التوطين”)، وإلى “التحويلات المالية التي تقع لعدد من الجمعيات، هي في الظاهر ما يسمى بالمجتمع المدني”. اعتبر الرئيس أنّ هذه الجمعيات حادت عن أهدافها، وأنّ الأموال “يتمّ توجيهها إلى أحزاب سياسيّة”، من “جهات تريد أن تتدخل في الشأن التونسي”. وطالب لجنة التحاليل المالية بأن “تقوم بدورها الوطني لتطهير البلاد من هذه الأموال المشبوهة، ذات المصدر غير المعلوم في بعض الأحيان”، وأن ترتّب “على هذه التحويلات المشبوهة الجزاء الذي ينصّ عليه القانون” بما أنّ “مصدرها فاسد”، مُشيرا بالتحديد إلى قانون مكافحة غسل الأموال. ليُعلن أنّ “الأمر يتعلق لا بشبهات بل بوقائع”، وأن لجنة التحاليل المالية “لا بدّ أن تواجه هذا التحيّل الواقع باسم القانون والحرية”.
كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ تقرير لجنة التحاليل المالية في ديسمبر 2023 بشأن جمعية تفعيل الحقّ في الاختلاف، لا يعدو أن يكون سوى ترجمة لسرديّة الرئيس الركيكة وإملاءاته السلطوية. يبدو أنّ اللجنة تخلّت عن معاييرها وطرق عملها المعتادة لتلبي ضغطًا سياسيّا، من رئيس احتكر كلّ السلطة وقرّر “تطهير البلاد” من كلّ من يُزعجه، وهو الذي هاجم اللجنة في أكثر من مرّة، وصولا إلى وصفها بلجنة “التحيّل”. مثلما هاجم القضاء وأرهبه وتحكّم فيه، فحوّله إلى أداة لتصفية خصومه ومُنتقديه. لا يُمكن فهم التطبيق القضائي الغريب والمتهافت لقانون مكافحة غسل الأموال، إلا إذا أدركنا أنّ من وجّه التهمة للجمعيات وأطلق الإدانة هو الرئيس نفسه، مثلما وجّه تهم التآمر والإرهاب لمعارضيه فتحوّلت إلى ملفات قضائيّة مُضحكة… وأحكام سجنية بعشرات السنوات.







