زهير الوريمي : خواطر اليوم الأخير .. من مسيرة “الأربعين سنة صحافة”

اترك مكتبي.. اليوم 31 مارس 2026 ..وأودع رسميا “إداريا” بعد 40 سنة صحافة ( منها 38 سنة في وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) زميلات كريمات وزملاء أكارم في قطاع الصحافة من أجيال متعاقبة جمعنا المكان خلال فترات متفاوتة من الزمان ضمن تجارب ومهمات عمل في وكالة (وات) وفي الوسط الصحفي في تونس وفي الخارج . التقينا حول ” البرقية ” والخبر الصحفي وتقاسمنا أجواء المهنة وضغوطها في أجواء الاختلاف حينا وفي إطار من التفاهم أحيانا .عملت صحفيا محررا ومكلفا بالمراجعة ومسؤولا عن البث ومديرا ثم مديرا عام مساعدا مشرفا على دوائر التحرير ومكلفا بالتعاون الدولي والعلاقات الخارجية ومتعاونا مع المصالح التجارية والتسويقية في عدة مناسبات.وفي كل محطة اجتهدت لأكون متعاونا ومحاورا وملتزما بأخلاقيات المهنة بحرص صادق وبقناعة المجتهد لتحقيق الإضافة .
في هذه التدوينة الموسعة أبوح بخواطر بمناسبة اليوم الأخير من مسيرة ” الأربعين سنة صحافة “
حيث انه لا المجال ولا العرف في “برقية” الوكالة يسمحان ل”صحفي الوكالة” بان يبث في النشرة خواطره الشخصية عند انتهاء التجربة والإحالة على شرف المهنة ولذلك اخترت أن أوظف صفحتي الخاصة لنشر هذه التدوينة .
بدأت الحكاية قبل 42 سنة عندما نلت شهادة باكالوريا آداب عام 1984 بالمعهد الفني بجرجيس.وقد اخترت مواصلة الدراسة الجامعية بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار الذي كان يستقطب عامها أصحاب أفضل المعدلات في شعبة الآداب .ويستوعب فقط 30 طالبا وطالبة في السنة الأولى.
وبعد مرحلة أولى من الدراسة من سنتين في المعهد وحصولي عام 1986 على “شهادة المرحلة الأولى في الصحافة “( نظام قديم للتدريس بمعهد الصحافة ) اقتحمت تدريجيا عالم المهنة الصحفية حالما ومؤمنا برسالة الصحفي من خلال بعض التجارب كمتعاون في صحف يومية وأسبوعية ومجلات مع مواصلة الدراسة الجامعية في المرحلة الثانية بمعهد الصحافة في مقره القديم بمونفلوري بشكل مواز مع الدراسة وهو ما ساعدني على الاندماج مبكرا في عالم المهنة الصحفية.
وفي شهر جوان من عام 1988 توجت سنوات الدراسة الأربع بالمعهد بالحصول على الأستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار(اختصاص اقتصاد – صحافة مكتوبة ).وبدل مواصلة التعلم في المرحلة الثالثة في جامعة ” لوفان لا نيف ” ببلجيكا (قسم الإعلام ) بعد أن قمت بإجراءات أولية للتسجيل عقب زيارة الجامعة البلجيكية في شهر مارس من ذات العام في إطار رحلة دراسية ضمن برامج تعاون وتبادل زيارات دراسية للطلبة مع معهد الصحافة وعلوم الأخبار شملت فريقا من أربعة طلبة متفوقين من المعهد تحت إشراف الأستاذ عبد الكريم الحيزاوي حولت وجهتي لأسباب خاصة لالتحق في نهاية العام 1988 بوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) للعمل في عمر 22 سنة بمعية مجموعة من تسعة (زملاء وزميلات) من نفس الدفعة ضمن برنامج “تربص إعداد للحياة المهنية” . وقد حملت تلك المجموعة اسم ” مجموعة 107 ” نسبة إلى قيمة منحة التربص.
وفي ظل تعطل تدريس “المرحلة ثالثة” صحافة بمعهد الصحافة في تلك الفترة اخترت في السنوات الأولى من العمل في الوكالة مواصلة الدراسة في المرحلة الثالثة (نظام قديم) في العلوم السياسية بكلية الحقوق في المركب الجامعي بالمنار (تونس).
وتواصلت التجربة بأضوائها وظلالها في الوكالة 38 سنة تشرفت خلالها بمعرفة سيدات ورجال من أهل المهنة الصحفية الوكالاتية من أجيال مختلفة ومن شخصيات ومسؤولين من مختلف القطاعات.
وككل صحفيي الوكالات في العالم كنت وزملائي وزميلاتي في وكالة (وات) نؤثث بأخبارنا مساحات التحرير لغيرنا في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة. اجتهدنا في الخفاء . تسمع وتنشر أخبارنا لكن لا يرانا أحد ولا يسمع بنا أحد ( إلا القليل من المهنيين من حرفاء الوكالة ) . نصنع الخبر من وراء الستار وذلك قدر صحفي الوكالة .وقد اكتفيت من جهتي بالتوقيع بالأحرف الأولى من الاسم واللقب ” زهو ” أسفل “البرقية” الخبرية وذلك انسجاما مع عقيدة الصحفي الوكالاتي ” اسم المؤسسة هو الأهم ..وكالتي قبل اسمي “.
لقد كان لزملاء أفاضل لمسة في تشكل خبرتي طوال مسيرتي في الوكالة خاصة في البدايات ثم تعززت التجارب وتنوعت بعامل التأثير والتأثر مع مختلف الفاعلين في المحيط المهني.
واذكر أن أول اجتماع خصص لتوزيع مجموعة الصحفيين المنتدبين الجدد (مجموعة 107) بين مصالح التحرير انعقد في بداية شهر نوفمبر 1988 بمكتب رئيس التحرير الأسبق بوكالة (وات) ونقيب الصحفيين الأسبق محمد بن صالح. وكان الاتفاق خلال الاجتماع بأن تتوزع المجموعة بين مختلف مصالح التحرير حسب الرغبات والميولات المهنية للزملاء والزميلات وعلى أساس أن تتم تلبية الحاجيات في كل مصالح التحرير فاخترت يومها الالتحاق بمصلحة الرياضة التي كان يشرف عليها الفقيد عمر غويلة ( رحمه الله ). ورغم عملي ضمن قسم الرياضة فاني وجدت نفسي أحيانا مكلفا بتغطية أحداث وندوات صحفية حول مواضيع سياسية واقتصادية وعالمية .واذكر انه تم تكليفي بعد أسابيع قليلة من العمل بتغطية مداولات مجلس النواب حول الميزانية في ديسمبر 1988 لكن الدائرة التي احتضنتني فعليا لاحقا وقضيت فيها أكثر من 35 سنة فقد كانت دائرة الشباب والرياضة بلا منازع .
ورغم الاختصاص في الاقتصاد في معهد الصحافة ثم في العلوم السياسية في المرحلة الثالثة بكلية الحقوق فقد واصلت العمل بنفس الإصرار في اختصاص الإعلام الرياضي
قبل أن أتولى خطة مدير عام مساعد مشرف على مصالح التحرير بالوكالة بعد اجتياز اختبار تناظر أمام لجنة تحكيم تشكلت للغرض.
وخلال تجربتي في دائرة الإعلام الرياضي تعلمت كثيرا من “عرفي ” الفقيد عمر غويلة الذي ساعدني على الاندماج وشجعني على المواصلة في قطاع الإعلام الرياضي مع اهتمام خاص بمتابعة أخبار الحركة الاولمبية في تونس وخارجها . كما عرفني بأوساط الإعلام الرياضي العربي وكلفني بتغطيات كبرى الأحداث الرياضية والاولمبية في العالم .
كما أشركني في تأثيث نشرة “الإخبار الرياضية المسموعة”( اوديوفون) في بادرة هي الأولى من نوعها في بداية التسعينات ضمن مسار تنويع منتوجات الوكالة .
لقد واكبت مسيرة مصلحة الرياضة منذ عام 1988. وشغلت ضمنها كل الخطط الوظيفية في إطار من التعاون والاحترام مع السابقين واللاحقين من الزملاء والزميلات الذين عززوا الدائرة تواليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
. وتوليت بداية من شهر افريل من عام 2010 الإشراف على دائرة(دسك) الشباب والرياضة التي توسعت لاحقا لتصبح عام 2017 ” إدارة ” الشباب والرياضة وذلك قبل أن اسلم المشعل عام 2024 وأتولى مهاما جديدة في الوكالة.
وخلال سنوات العمل ال38 في وكالة (وات) تدرجت بين مختلف الخطط الوظيفية التحريرية الممكنة من محرر أول إلى سكريتير تحرير إلى رئيس مصلحة إلى مدير مساعد (رئيس دائرة (دسك) إلى مدير تحرير ثم إلى مدير عام مساعد للتحرير ( مشرف عام على كل مصالح التحرير).
كما نسقت وترأست عدة لجان تفكير وفرق عمل لتطوير وتنويع وتجويد المنتوج بالوكالة وساهمت في تنظيم ندوات وإطلاق منتوجات جديدة.
وشغلت خطة مدير تحرير مكلف بالعلاقات الخارجية والتعاون الدولي نسقت من خلالها وتابعت تنفيذ برامج تعاون خارجي حققت الإضافة لعلاقات الوكالة كما أسهمت في تحيين اتفاقيات وعقد شراكات جديدة وفتح قنوات تواصل مع أكثر من 20 وكالة أنباء عربية وافريقية وأوروبية وأسيوية وهياكل وطنية بحثا عما ينفع وكالة (وات ) وصحفييها ومصوريها وموظفيها وتقنييها.
وفي سياق متصل تم تكليفي بتمثيل وكالة (وات) في عضوية المجلس العلمي والإداري بالمركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين.
وفي تجربة موازية تشرفت خلال مسيرتي المهنية الصحفية بالانتماء كمتعاون إلى آسرة تحرير” التليتاكست ” بمؤسسة التلفزة التونسية .
وفي المجال الجمعياتي الوطني عملت ضمن المكاتب التنفيذية لكل الهياكل المهنية الصحفية الوطنية ( أكاديميا ومهنيا ) حيث شغلت خطة كاتب عام ونائب رئيس في فترات متفاوتة ضمن مكتب ودادية قدماء معهد الصحافة وعلوم الأخبار وكذلك مهام كاتب عام جمعية الصحفيين التونسيين ثم توليت نفس الخطة في اللجنة التأسيسية للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وصندوق التآزر بين الصحفيين التونسيين.
أما على الصعيد العربي فقد حظيت بشرف عضوية المكتب الدائم لاتحاد الصحفيين العرب وعضوية لجان الاتحاد العربي للصحافة الرياضية .
وقادتني المهنة الصحفية إلى زيارة عدد من بلدان قارات أوروبا واسيا وإفريقيا في إطار اجتماعات هياكل صحفية ودورات تكوين ومؤتمرات في مجال الإعلام وضمن تغطيات صحفية لكاس العالم في كرة القدم وكرة اليد والألعاب الاولمبية و العاب البحر الأبيض المتوسط والألعاب الإفريقية وكاس أمم إفريقيا لكرة القدم وكرة اليد . وامتدت رقعة الزيارات خلال العقود الأربعة من العمل لتشمل اليابان والصين وروسيا وسويسرا وفرنسا وألمانيا وبلجيكيا واسبانيا والبرتغال وايطاليا ومالطا واليونان والجزائر ومصر والمغرب وموريتانيا وقطر والأردن وأثيوبيا وبينين وبوركينا فاسو ومالي وكوت ديفوار وليبيريا وغينيا وغانا ونيجيريا.
وقد سمحت لي بعض المهمات في الخارج بالاطلاع على تجارب عدد من وكالات الإنباء العربية والأوروبية والأسيوية.
وفي الأثناء وحيث كنت منشغلا بالتزامات المهنة وتضحياتها وما تستوجبه من عمل في أوقات يستريح فيها آخرون ومن تفرغ للعمل على حساب احتياجات الاسرة ومن سفرات خارج البلاد اضطرني بعضها أحيانا بالتغيب عن العائلة (من أسبوعين إلى 5 أسابيع ) وجدت في قرينتي التي تفهمت ظروف المهنة خير سند فتحملت جانبا هاما من المسؤولية ..و” كبر العيال” وسدد الله خطاهم لتحقيق أفضل المراتب في مسيرة التعلم من خلال مسار تعليمي “نموذجي قاد ثلاثتهم إلى الاعداديات والمعاهد النموذجية فالتحق نجلي الأكبر “وجيه “بإحدى كبرى مدارس الهندسة الفرنسية ليعزز صفوف سلك المهندسين وتخرجت الدكتورة “وئام ” كطبيبة في “لمح البصر” رغم طول مدة الدراسة فيما يواصل “وليف” المسار في المعهد النموذجي . الحمد والشكر لله على نعمته . زادهم الله توفيقا على توفيقهم.
وفي العام الأخير سرق الموت مني والدي العزيز الحاج سعيد ..تقبله الله في واسع رحمته.وأحسست يومها باني لم اقضي معه أوقات كافية فقد اضطرتني ظروف المهنة في تونس العاصمة بان اكتفي بملاقاته في جرجيس فقط في المواسم والأعياد وأسابيع قليلة بمناسبة العطلة السنوية لكن القدر عوض لي بان مكنني من أن أجالسه واقف إلى جانبه واستمع إلى وصاياه في الأسابيع الأخيرة من المرض قبل أن يتوفاه الأجل المحتوم.ربي ارحمه رحمة واسعة وعوض لي بان استمتع بمؤانسة الحاجة حفظها الله.
وعندها تتبادر إلى الذهن أسئلة . هل أن العمل يمثل كل شيء في الحياة ؟ ومتى يصبح الانشغال بالمهنة مانعا عن التواصل مع الآخرين ؟ وهل يقلل الانصهار في العمل من فرص التواصل مع الأصول والأبناء ومع الأصدقاء ؟ فيعاد التفكير في البحث عن التوازن واعدة الاعتبار للحياة الشخصية .
مسيرة عمل تواصلت قرابة أربعة عقود اشتغلت خلالها قرابة 13 ألف ” يوم عمل ” وأنتجت وعالجت وترجمت وراجعت وبثيت أكثر من 80 ألف برقية . تعلمت وعلمت . راكمت التجارب في صحافة الوكالة واستفدت في مختلف مراحل مسيرتي من خبرات كبار المهنة وشيوخها وعقلائها .
اللهم اشهد أني لم ادخر أي جهد ولم ابخل بأي فكرة من اجل خدمة وكالة تونس إفريقيا للأنباء وقطاع الإعلام الرياضي . سعدت بصداقة عشرات المسؤولين ومئات الزملاء و الزميلات من صحفيين ومصورين وإداريين وفنيين وأعوان خدمات من الوكالة ومن خارجها وتقاسمت معهم ” الماء والملح “. (رحم الله المتوفين والمتوفيات منهم وحفظ الباقين ).
التحق غدا بصفوف من سبقني إلى التقاعد من الزملاء الصحفيين والصحفيات وفي البال سؤال / هل يتقاعد الصحفي فعلا ؟.
…وقد أخصص لاحقا تدوينات تكون اقرب الى مذكرات لاسترجاع الذكريات بالكلمة و الصورة وللتعليق على عدة تجارب وجوانب من المهنة ومناخات العمل في الوكالة وفي القطاع الإعلامي واستخلاص العبر.
عاشت وكالة تونس إفريقيا للأنباء

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى