مؤتمر حزب التيار الديمقراطي : اللائحة الاقتصادية والاجتماعية
تمهيد
تمرّ تونس اليوم بمرحلة حاسمة، بعد خمسة عشر عامًا على ثورة الحرية والكرامة، تواجه خلالها تراكمات من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فقد تفاقمت نسب البطالة، واتّسعت الفوارق الاجتماعية والمجالية، في ظلّ تعثّر مسار الانتقال الديمقراطي وتراجعه.
وتُظهر قراءة موضوعية لمسار التنمية منذ الاستقلال أنّ هذه التحديات ليست ظرفية أو عابرة، بل هي نتيجة خيارات هيكلية لنموذج تنموي قام على اقتصاد مُركّز، وصناعات ذات قيمة مضافة محدودة، واعتماد كلفة يد عاملة منخفضة كميزة تنافسية. وقد أدّى هذا النموذج إلى تعميق الفجوات بين الجهات والفئات الاجتماعية، وإلى إضعاف النسيج الإنتاجي الوطني وتقليص قدرته على خلق الثروة وفرص الشغل المستدامة
في هذا السياق، يقدم حزب التيار الديمقراطي مشروعه السياسي المبني على رؤية اجتماعية ديمقراطية ترى في الديمقراطية منظومة قيم ومؤسسات تضمن المشاركة، حماية الحقوق، وتوفير شروط العيش الكريم لكل المواطنين. وفق هذه الرؤية، لا تُعتبر الدولة منافساً للسوق بل فاعلًا تعديلياً واستثمارياً، يضمن المنافسة العادلة ويحفّز التنمية في القطاعات المنتجة، مع دعم المبادرة الخاصة ضمن إطار قانوني يمنع الاحتكار والريع ويكفل تكافؤ الفرص، ويقوي المرفق العمومي لدعم المساواة والاندماج الوطني
يرفض التيار الديمقراطي النموذج النيوليبرالي الذي أفضى إلى تركز الثروة وإضعاف دور الدولة، كما يرفض في الآن ذاته الحلول السلطوية التي تُقدّم الاستقرار على حساب الحريات. وفي مقابل ذلك، يقترح الحزب خيارًا ثالثًا يقوم على مشروع شامل للتجديد الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي، مستندًا إلى التجارب الدولية ومتطلبات الواقع التونسي، بما يهدف إلى تحقيق نمو متوازن، وتكافؤ في الفرص، وديمقراطية أكثر شفافية ومساءلة، على أن تمثّل هذه اللائحة خارطة طريق عملية لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس العدالة والتضامن
الباب الاول: الأسس الفكرية والسياسية
في معنى اقتصاد السوق الاجتماعي
يقوم اقتصاد السوق الاجتماعي، في التصور الذي يتبناه الحزب، على مبدأ مزدوج: الاعتراف بأن الاقتصاد لا ينتج الثروة إلا إذا تحركت فيه قوى المبادرة والابتكار والاستثمار والمنافسة، والإقرار في الوقت نفسه بأن السوق، إذا تُرك من دون قواعد أو رقابة أو تصحيح، يميل إلى إعادة إنتاج التفاوت وتمركز النفوذ وتغليب الربح قصير المدى على المصلحة العامة طويلة المدى.
غير أن هذا النموذج لا يُختزل في مجرد التوفيق النظري أو الخطابي بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بل يقوم على بناء منظومة مؤسساتية وقانونية تجعل من آليات اقتصاد السوق إطاراً للإنتاج، لا مجالًا للهيمنة أو الاحتكار. فاقتصاد السوق الاجتماعي ليس اقتصاداً “مقيداً” بالمعنى السلبي، بل اقتصاد منظم بقواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص، وتحد من اختلال موازين القوة بين الفاعلين، وتربط الحرية الاقتصادية بالمسؤولية الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، لا يكون تدخل الدولة بديلًا عن السوق، بل شرطاً لسلامة عمله. فالدولة لا تنافس الفاعلين الاقتصاديين في كل المجالات، لكنها تضع القواعد التي تمنع الانحرافات، وتصحح الاختلالات التي لا تعالجها السوق تلقائياً، وتضمن أن تكون المنافسة قائمة على الكفاءة لا على النفوذ.
ويميز هذا الفهم أيضاً بين دولة تكتفي بإعادة توزيع الثروة بعد إنتاجها، ودولة اجتماعية ديمقراطية تستثمر في شروط الإنتاج ذاته، من خلال التعليم والصحة والبنية التحتية. فهذه المجالات لا تمثل مجرد نفقات، بل استثماراً مباشراً في القدرة الإنتاجية للمجتمع.
فالمدرسة العمومية الجيدة ليست عبئاً على الاقتصاد، بل هي التي تخرّج العامل المؤهل والمهندس والمبدع والمواطن القادر على المنافسة. والصحة العمومية ليست مجرد كلفة، بل شرط أساسي لوجود مجتمع منتج. أما النقل، فليس خدمة ثانوية، بل بنية أساسية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي والمجالي.
يعتبر الحزب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة أساسية للتنمية العادلة، تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي وتضع الإنسان في صلب العملية التنموية، بما يساهم في تعزيز التضامن وتقليص الفوارق وتقديم خدمات ذات منفعة عامة بعيداً عن منطق الربح الفردي. وهو، في هذا التصور، مكمّل لدور الدولة والقطاع الخاص وشريك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وترسيخ العدالة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يدعو الحزب إلى توفير إطار قانوني ومؤسساتي ملائم، مدعوم بآليات تمويل وحوكمة رشيدة قائمة على الشفافية والمساءلة، بما يمكّن هذا القطاع من الإسهام الفعلي في دفع التنمية المحلية والجهوية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات في أفق تنمية عادلة ومستدامة.
العقد الاجتماعي الجديد
يرى الحزب أن تونس في حاجة إلى عقد اجتماعي جديد يقطع مع منطق الريع والامتيازات غير المبررة، ومع السياسات القائمة على الوعود الشعبوية غير القابلة للاستدامة المالية والاقتصادية. ولا يقتصر هذا العقد على كونه توافقاً ظرفياً بين الفاعلين، بل يمثل إطاراً مؤسسياً طويل المدى يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد على أسس واضحة ومستقرة.
ويفترض هذا العقد انتقالًا من تصور للدولة بوصفها موزعاً للموارد تحت ضغط التوازنات السياسية، إلى دولة تؤطر إنتاج الثروة وتضمن شروط توزيعها العادل. كما يفترض تجاوز العلاقة السلبية بين المواطن والدولة، القائمة على المطالبة مقابل الامتثال، نحو علاقة تقوم على المواطنة الفاعلة والمسؤولية المشتركة.
وفي هذا السياق، لا تُفهم المسؤولية المشتركة باعتبارها توزيعاً رمزياً للأدوار، بل باعتبارها التزاماً فعلياً تتحمل فيه الدولة مسؤولية الإطار القانوني والتنظيمي، ويتحمل فيه الفاعلون الاقتصاديون مسؤولية الاستثمار المنتج واحترام القواعد، وتتحمل فيه القوى الاجتماعية مسؤولية التوازن والاستقرار، بينما يتحمل المواطن مسؤولية المشاركة والامتثال للقانون والمساهمة في الجهد الجماعي.
فلا يمكن ترسيخ حقوق اجتماعية مستقرة في غياب اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة، كما لا يمكن لأي اقتصاد أن يحافظ على شرعيته أو استقراره إذا ظلت ثماره مركزة في نطاق ضيق، سواء من حيث الفئات الاجتماعية أو الجهات الجغرافية. ومن ثم، فإن العقد الاجتماعي الجديد يقوم على الربط العضوي بين الإنتاج والتوزيع، وعلى اعتبار العدالة شرطاً للاستقرار، لا نتيجة لاحقة له.
ويرتكز هذا العقد على أربعة مبادئ أساسية:
- تكافؤ الفرص، باعتباره الأساس الأخلاقي والسياسي للمواطنة، ويعني ضمان النفاذ المتكافئ إلى التعليم والصحة والموارد والفرص الاقتصادية، بما يحد من إعادة إنتاج الفوارق عبر الأجيال.
- التضامن بين الفئات والجهات والأجيال، بما يضمن توزيعاً منصفاً للأعباء والمنافع، ويحول دون تفكك النسيج الاجتماعي أو تهميش مناطق بعينها.
- ربط الحقوق بالواجبات، في إطار احترام القانون، بما يرسخ ثقافة المواطنة ويحد من منطق الامتياز دون مقابل، سواء كان ذلك في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي.
- الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام والخيارات التنموية، باعتبارها شرطاً ضرورياً لبناء الثقة بين الدولة والمواطن، ولضمان نجاعة السياسات العمومية.
في إطار العقد الاجتماعي الجديد، يرى الحزب أن الديمقراطية الاقتصادية لا تقتصر على تعدد الفاعلين، بل تقوم أساساً على وضوح القواعد، وتكافؤ شروط المنافسة، وخضوع الجميع لنفس الضوابط دون امتياز. فالسوق، في هذا التصور، هي آلية مركزية لخلق الثروة، لكنها لا تكون عادلة وفعالة إلا إذا كانت مؤطرة بمنظومة تضمن النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتمنع إعادة إنتاج اقتصاد الريع.
وإذ يقر الحزب بدور السوق في تحفيز النمو، فإنه يؤكد ضرورة تأطيرها بإطار قانوني ومؤسساتي مستقر، قائم على هيئات رقابية وتعديلية مستقلة، وعلى رأسها مجلس المنافسة، لضمان احترام القواعد ومكافحة الاحتكار وترسيخ عدالة اقتصادية فعلية.
كما تضطلع الدولة بدور توجيهي يتيح لها التدخل، في حدود القانون، لتصحيح الاختلالات وتوجيه الاستثمار، دون المساس بديناميكية السوق. وفي هذا السياق، تقوم العلاقة بين القطاعين العام والخاص على الشراكة والتكامل، حيث يمثل القطاع الخاص محركاً للنمو والابتكار، فيما تضمن الدولة الإطار العام والتوازنات الاجتماعية.
ويؤكد الحزب أن التوازن بين حرية السوق والدور الاجتماعي للدولة ليس تناقضاً، بل شرطاً لاقتصاد ديمقراطي ومستدام، تتلازم فيه التنافسية مع العدالة، وتُؤطر فيه المبادرة الحرة بما يخدم المصلحة العامة.
دور الدولة بين التنظيم والاستثمار والحماية
يرفض الحزب التصورين المتقابلين اللذين أضرا بتونس في العقود الأخيرة: تصور يجعل الدولة متحكماً مطلقاً في النشاط الاقتصادي، حتى في المجالات التي تغيب فيها النجاعة وتتضخم فيها البيروقراطية، وتصورا آخر يختزل دورها إلى الحد الأدنى، تاركاً المجتمع يواجه تقلبات السوق وموازين القوة غير المتكافئة.
ويقوم البديل الذي يدافع عنه الحزب على دولة فاعلة ومؤطرة، لا دولة متدخلة بلا حدود ولا دولة منسحبة، بل دولة تضطلع بوظائف تنظيمية وتعديلية واستراتيجية متكاملة، في إطار تصور منسجم مع مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي.
فالدولة، في هذا الإطار، لا تحل محل السوق في إنتاج الثروة، لكنها تضمن الشروط التي تسمح له بالعمل بكفاءة وعدالة في آن واحد، من خلال وضع قواعد واضحة، ومستقرة، وقابلة للتطبيق، تحد من الانحرافات وتمنع تركّز النفوذ الاقتصادي.
وتتجسد هذه الرؤية في ثلاثة أبعاد مترابطة:
- الدولة التنظيمية، التي تضبط الإطار القانوني والمؤسساتي للنشاط الاقتصادي، وتحمي المنافسة، وتفرض الشفافية، وتكافح الاحتكار والفساد والتهرب، وتضمن استقلال الفضاء الاقتصادي وهيئات التعديل، بما يرسخ الثقة في القواعد ويضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين.
- الدولة التعديلية ذات البعد الاجتماعي، التي تتدخل لتصحيح الاختلالات التي لا تعالجها آليات اقتصاد السوق تلقائياً، وذلك عبر سياسات اجتماعية عادلة تضمن حماية الفئات الهشة، وتأمين النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه في إطار من النجاعة والإنصاف.
- الدولة الاستثمارية الاستراتيجية، التي توجه تدخلها نحو البنية التحتية والقطاعات السيادية والتحولات الكبرى، لاسيما في المجالات التي يعجز السوق، بحكم طبيعته أو أفقه الزمني، عن الاستثمار فيها بالسرعة أو بالحجم المطلوبين، مثل التحول الطاقي، والبنية الرقمية، والتنمية الجهوية.
وفي هذا التصور، لا يُقاس دور الدولة بحجم تدخلها المباشر، بل بمدى قدرتها على تأطير الاقتصاد، وتصحيح اختلالاته، وتوجيهه نحو تحقيق المصلحة العامة. فالدولة القوية ليست تلك التي تتوسع في كل المجالات، بل تلك التي تحسن تحديد أولوياتها، وتضمن نجاعة تدخلها، وتخضع نفسها لمنطق المساءلة والشفافية.
الباب الثاني: التصور الاقتصادي
منوال تنموي جديد قائم على الإنتاجية والقيمة المضافة
لقد بلغ المنوال التنموي القائم على اليد العاملة منخفضة الكلفة، والامتيازات الجبائية غير المشروطة، وضعف الإدماج التكنولوجي، حدوده القصوى. فلم ينجح في خلق نسيج اقتصادي قوي، ولا في تحقيق سيادة غذائية أو طاقية أو صناعية نسبية، كما لم يحدّ من نزيف هجرة الكفاءات.
لذلك يدعو الحزب إلى الانتقال نحو منوال تنموي جديد يقوم على الإنتاجية، والابتكار، والتكوين، والقيمة المضافة.
ويقتضي هذا التحول تغيير منطق جذب الاستثمار، من مجرد البحث عن الكلفة الأرخص، إلى استقطاب الاستثمار القادر على نقل المعرفة، وتشغيل الكفاءات، والاندماج في النسيج الاقتصادي المحلي، وخلق سلاسل قيمة داخلية، وتعزيز قدرة تونس على التصدير الذكي.
ومن منظور سياسي وتنموي، يرى الحزب أن على الدولة توفير الإطار القانوني والمؤسساتي وخطوط التمويل الضرورية لقيام الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مع دعم حوكمة رشيدة وشفافية ومساءلة فعّالة. وبهذه الآليات، يمكن للقطاع أن يكون شريكًا فعّالًا مع الدولة والقطاع الخاص في دفع التنمية المحلية والجهوية، وخلق فرص الشغل، وتحفيز الاستثمار الاجتماعي والاقتصادي، وضمان حقوق الأجيال القادمة، بما يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات ويحقق التنمية العادلة والمستدامة كما يقتضي تجاوز التقابل المصطنع بين الصناعة والخدمات، باعتبار أن الاقتصاد الحديث يقوم على ترابطهما، من خلال اللوجستيك، والرقمنة، والبحث، والتصميم، والصيانة، والخدمات المساندة.
المنشآت العمومية
يرى الحزب أن المنشآت العمومية ليست كتلة واحدة، ولا يمكن التعامل معها بمنطق إيديولوجي جامد، سواء بالتفويت الشامل أو بالتقديس المطلق. لذلك يقترح الحزب تصنيفاً وظيفياً لهذه المؤسسات، وفق طبيعة القطاع، ووظيفته الاجتماعية، وبعده السيادي، وإمكانات المنافسة فيه، وجدوى استمرار الملكية العمومية.
فالقطاعات ذات الصلة المباشرة بالسيادة، أو بالحقوق الأساسية، أو بالمرافق الطبيعية الاحتكارية — مثل الماء، والكهرباء، والبنية التحتية الحيوية، وبعض مكونات النقل الاستراتيجي، والموارد الطبيعية — يجب أن تظل تحت قيادة عمومية واضحة، مع إصلاح حوكمتها، وتحسين أدائها، ومحاسبة مسيريها.
أما المؤسسات الناشطة في قطاعات تنافسية، التي لا يوجد مبرر جوهري لاستمرار الدولة فيها، فيمكن بحث صيغ الشراكة، أو التفويت الجزئي أو الكلي، وفق معايير الشفافية، وحماية العمال، والمصلحة العامة.
وفي جميع الحالات، لا يجوز أن يتحول إصلاح المنشآت العمومية إلى مجرد إعادة تمويل للعجز دون مساءلة أو إعادة هيكلة أو تحديد واضح للأهداف. فالإصلاح الحقيقي يقتضي الحوكمة الرشيدة، ووضوح المسؤوليات، والانتقال من الرقابة الشكلية إلى رقابة النجاعة والنتائج.
مناخ الأعمال
لا يمكن تحقيق استثمار منتج في غياب الثقة. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل تقوم على قانون مستقر، وإدارة قابلة للتوقع، وقضاء ناجع، ونظام جبائي واضح، ورؤية عامة للدولة تتسم بالاتساق والاستمرارية.
لذلك يعتبر الحزب أن تحسين مناخ الأعمال يبدأ بإعادة الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات. فالمستثمر المحلي، قبل الأجنبي، يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن القواعد لا تتغير اعتباطاً، وأن المنافسة تقوم على تكافؤ الفرص، لا على الامتيازات المرتبطة بالنفوذ، وأن النزاعات تُحسم في آجال معقولة.
كما يرى الحزب أن تبسيط الإجراءات ليس مجرد مطلب تقني، بل هو شرط ديمقراطي أيضاً، لأن البيروقراطية المفرطة تفتح المجال للفساد والزبونية، وتضر خاصة بالمبادرات الصغرى والمتوسطة التي تفتقر إلى شبكات النفوذ.
ولهذا يدعو الحزب إلى تعميم الرقمنة، واعتماد مبدأ التصريح كلما أمكن، وتقليص التراخيص غير المبررة، وتوحيد المسارات الإدارية، وربط المسؤولية الإدارية بالآجال والنتائج.
الفلاحة والأمن الغذائي
ينظر الحزب إلى الفلاحة لا باعتبارها قطاعاً تقليدياً هامشياً، بل باعتبارها ركيزة أساسية للسيادة الوطنية، والتوازن الجهوي، والاستقرار الاجتماعي.
لذلك يرفض اختزال السياسة الفلاحية في دعم ظرفي أو في معالجة موسمية للأزمات، ويدعو إلى تبني رؤية متكاملة تجعل من الأمن الغذائي هدفاً استراتيجياً، وتربط بين السياسة المائية، والسياسة العقارية، والبحث الزراعي، والتحويل الصناعي، وأسواق التوزيع.
ويقتضي ذلك مراجعة الخارطة الفلاحية بما ينسجم مع الندرة المائية والتغير المناخي، وتشجيع الزراعات الأكثر مردودية واستدامة، والحد من التبذير في شبكات الري، وتمكين الفلاحين الصغار والمتوسطين من التمويل، والتجميع، والتأمين، والإرشاد.
كما يدعو الحزب إلى إصلاح منظومة الأراضي الدولية والأراضي المشتركة، بما يعزز النجاعة والشفافية، ويفتح المجال أمام الشباب أصحاب المشاريع.
وترتبط هذه السياسة أيضاً بتطوير الصناعات الغذائية، حتى لا تبقى الفلاحة منتجة للمواد الخام فقط، بل تتحول إلى مصدر للقيمة المضافة ومواطن الشغل.
الصناعة والابتكار
لا ينبغي أن يظل موقع تونس في التقسيم الدولي للعمل أسيراً للمناولة منخفضة القيمة. لذلك يدعو الحزب إلى اعتماد سياسة صناعية حديثة تعيد الاعتبار للتصنيع باعتباره رافعة للاستقلال النسبي، وللتشغيل، وللتقدم التكنولوجي.
ولا يعني ذلك العودة إلى الحماية العشوائية أو إلى الإدارة المركزية الشاملة، بل بناء استراتيجية صناعية انتقائية تدعم القطاعات التي تمتلك تونس فيها مزايا قائمة أو قابلة للتطوير.
ومن هذه القطاعات: الصناعات الصيدلانية، والصناعات الميكانيكية والإلكترونية، ومكونات الطاقات المتجددة، والصناعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، وبعض الصناعات الثقافية والإبداعية.
ويشترط نجاح هذه السياسة إنشاء روابط مؤسساتية فعالة بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الإنتاجية، وربط الحوافز العمومية بأهداف واضحة في التشغيل، والتصدير، ونقل التكنولوجيا، والإدماج المحلي.
كما يجب أن يحتل دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة موقعاً محورياً، نظراً لقدرتها على التجذر المحلي، وخلق فرص الشغل، وتحفيز الابتكار.
الطاقة والانتقال البيئي
يرى الحزب أن مسألة الطاقة تتجاوز بعدها المالي لتشمل أبعاداً سيادية وبيئية واجتماعية، فالارتهان الطاقي للخارج يضعف القرار الوطني، ويرفع كلفة الإنتاج، ويعرض المالية العمومية للتقلبات. لذلك يعتبر الحزب الانتقال الطاقي خياراً استراتيجياً وسيادياً، لا مجرد خيار بيئي.
ويقوم هذا الانتقال على تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية في النقل والبناء والصناعة، وإصلاح حوكمة القطاع.
كما يرفض الحزب أن يتحول الانتقال البيئي إلى عبء إضافي على الفئات الهشة أو الجهات المهمشة. فالعدالة البيئية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وتعني توزيع كلفة التحول بشكل منصف، وتوجيه الاستثمارات الخضراء نحو خلق فرص الشغل، وتعزيز التنمية المحلية.
كما يقتضي ذلك اعتبار البيئة رأسمالًا وطنياً مشتركاً، ينبغي حمايته من الاستنزاف وسوء الاستغلال.
الخدمات واللوجستيك والسياحة
تمتلك تونس موقعاً جغرافياً يمكن أن يجعلها منصة ربط بين الفضاء المتوسطي وإفريقيا، غير أن هذا الموقع لا يتحول تلقائياً إلى ميزة اقتصادية دون بنية لوجستية فعالة، وإدارة جمركية حديثة، وموانئ ومطارات ذات أداء عالٍ، وشبكات نقل داخلية مندمجة.
لذلك يعتبر الحزب أن قطاع الخدمات اللوجستية مكون أساسي في التنافسية الوطنية، وليس قطاعاً ثانوياً.
أما في مجال السياحة، فيدعو الحزب إلى تجاوز النموذج الكمي الهش، القائم على الموسمية والضغط على الموارد، نحو نموذج نوعي متنوع يشمل السياحة الثقافية، والبيئية، والصحية، والاستشفائية، والداخلية، والرياضية.
ويساهم هذا التنويع في رفع القيمة المضافة، وتوسيع المجال الجغرافي للانتفاع بالسياحة، وتقليص هشاشتها أمام الأزمات. كما يجب ربط السياحة بالمنتوج المحلي، والحرف، والصناعات الثقافية، حتى تتحول إلى رافعة تنموية متكاملة.
الباب الثالث: التصور الاجتماعي: نحو تحقيق الرفاه الاجتماعي
يرى حزب التيار الديمقراطي أن تحقيق الرفاه الاجتماعي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الوطني الديمقراطي، وأن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تستقيم دون سياسات اجتماعية عادلة تضمن الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص بين المواطنين. ويقوم التصور الاجتماعي للحزب على دور فاعل للدولة في توفير الخدمات الأساسية وضمان النفاذ العادل إليها، مع اعتماد سياسات عمومية فعالة تقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتعزز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
التعليم
يرى التيار الديمقراطي أن التعليم حق أساسي ورافعة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وليس مجرد خدمة أو أداة للسوق. فهو يساهم في ترسيخ قيم المواطنة واكتساب قدرات التفكير النقدي، ويؤكد أن جودة التعليم ترتبط أساسًا بدور الإطار التربوي وجودة البنية التحتية.
يؤكد الحزب على أهمية الاعتناء بالتعليم في كل مستوياته انطلاقا من المرحلة ما قبل المدرسية أين تبنى اللبنات الأولى من شخصية المتعلم وصولا لمرحلة التعليم العالي.
ويطالب الحزب بإدماج منظومة البحث العلمي في الدورة الاقتصادية في نطاق مبادئ حرية العمل العلمي وارتباطه بالشاغل العام.
أما فيما يتعلق بمنظومة التكوين المهني يطالب التيار الديمقراطي بالتخفيض في السن الدنيا للالتحاق بها.
ويسعى التيار الديمقراطي إلى أن يكون التعليم الخاص خاضعا لمنظومة تأطير وطنية بشكل يضمن عدم إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.
الصحة
يؤسس حزب التيار الديمقراطي تصوّره للسياسات الصحية على اعتبار الصحة حقًا أصيلًا وركنًا من أركان الكرامة الإنسانية، لا منحة ظرفية ولا امتيازًا قائمًا على القدرة المادية. ويُعدّ ضمان النفاذ العادل إلى العلاج شرطًا لتحقيق المساواة الفعلية بين المواطنين، بما يقتضي التزام الدولة بتأمين خدمات صحية عمومية منتظمة وآمنة، مجانية أو مدعومة، دون تمييز مجالي أو اجتماعي، مع أولوية خاصة للمناطق ذات الهشاشة وضعف التغطية.
وفي هذا الإطار يطالب التيار الديمقراطي بتطوير وتعصير البنية التحتية الصحية، ودعم الاستثمار والبحث العلمي وانتاج الادوية الجنيسة في سبيل تطوير الصناعة الدوائية التونسية بما يسمح بالحد من التبعية الخارجية ويضمن الامن الدوائي، فضلا عن ترسيخ سياسات وقائية تقوم على نشر الثقافة الصحية والتربية الوقائية.
ويعتبر الحزب رأس المال البشري الطبي وشبه الطبي دعامة أساسية لنجاعة المنظومة، بما يستوجب إصلاح منظومة التكوين، وتحيين مضامينها، وتحسين ظروف العمل، وإرساء سياسات تحفيزية تحدّ من هجرة الكفاءات وتحافظ على استقرارها داخل البلاد.
كما يُؤكد الحزب على تعميم التأمين الصحي الأساسي ليشمل كافة الفئات، بما فيها غير النظاميين والهشة، والعمل على تعميم التأمين الصحي الشامل بما يضمن تغطية فعلية وكاملة دون إقصاء، ولذلك يطالب التيار الديمقراطي وفي إطار السعي نحو استدامة هذه المنظومة بتنويع مصادر تمويلها عبر عدد من الآليات من بينها فرض ضريبة على المواد الضارة بالصحة.
كما يُقرّ الحزب بدور القطاع الصحي الخاص كرافد للقطاع العمومي، في إطار شراكة قائمة على التكامل والتنسيق وتوحيد المعايير، مع إخضاعها لتأطير صارم يضمن جودة الخدمات وشفافية الأسعار وحماية المرضى، بما يكرّس مبدأ أن الصحة حق اجتماعي لا يخضع لمنطق السوق.
ويؤكد الحزب على أن الاستثمار في الصحة هو استثمار استراتيجي في التنمية الوطنية، بما يستوجب تعزيز الحوكمة داخل المؤسسات الصحية، وترسيخ الشفافية، ومقاومة الهدر والفساد، مع العمل على تنويع موارد تمويل المنظومة الصحية بشكل يضمن ديمومتها ونجاعتها.
النقل
يرى التيار الديمقراطي أن النقل حق أساسي تضمنه الدولة عبر خدمة عمومية آمنة وميسّرة للجميع. ويعتبر تطوير النقل العمومي أداة لتحقيق العدالة بين الجهات، من خلال تحديث الأسطول، تنظيم القطاع، وتحسين الحوكمة لضمان الفعالية والاستدامة.
ويؤكد الحزب على تنظيم حلول التنقل البديلة ودمجها قانونيًا باعتبارها نتيجة لاختلالات هيكلية. ويرى النقل جزءًا من رؤية تنموية تقلّص الفوارق وتسهّل النفاذ للخدمات، مع شراكات مدروسة بين العام والخاص تحت إشراف الدولة. كما يشدد على تكامل النقل مع التخطيط العمراني لضمان تنقل أكثر نجاعة، وتقريب الخدمات ومواطن الشغل وتحسين جودة الحياة.
كما يعتبر التيار الديمقراطي النقل الخارجي قطاعًا استراتيجيًا لربط الاقتصاد بالعالم، ما يتطلب تطوير الموانئ والمطارات وتحسين تنقل الأشخاص والبضائع. ويشدد على إصلاح المؤسسات العمومية في النقل الجوي والبحري وتعزيز دورها السيادي. كما يراه أداة لدعم الإنتاج والتبادل وربط التونسيين بالخارج، مع حوكمة شفافة وشراكات مدروسة مع القطاع الخاص تحت إشراف الدولة.
السكن
يعتبر الحزب أن أزمة السكن ليست مسألة عمرانية معزولة، بل قضية اجتماعية واقتصادية عميقة، تقتضي رؤية شاملة للتهيئة الترابية تقوم على العدالة المجالية والاستدامة وجودة الحياة.
ولهذا، يؤكد التيار الديمقراطي أن السكن قطاع اجتماعي واستراتيجي، يقوم على مبدأ الحق في السكن اللائق باعتباره شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية. ويرى الحزب أن الدولة مسؤولة عن وضع سياسات سكنية شاملة تستجيب لحاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، وتمثل فاعلا أساسيا في توجيه السوق العقارية، فضلا عن دعم منظومة السكن الاجتماعي بما يضمن تكافؤ الفرص ويحول دون أي شكل من أشكال التمييز في النفاذ إلى الإسكان ويعزز الاندماج الاجتماعي والكرامة الانسانية.
ويؤكد الحزب على أن السكن يمثل محركا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في إطار دور توجيهي تمارسه الدولة لضمان التوازن بين الابعاد الاقتصادية والاجتماعية.
التغطية الاجتماعية
يؤكد التيار الديمقراطي أن التغطية الاجتماعية والصحية حق أساسي وجزء من منظومة العدالة الاجتماعية، في إطار مسؤولية الدولة عن ضمان الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص، ضمن منظومة شاملة ومستدامة تشمل مختلف الفئات.
كما يطرح الحزب رؤية للتقاعد تقوم على العدالة والاستدامة والتوازن، مع تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة المنظومات الاجتماعية، وتوجيهها بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويحقق الصالح العام.
التشغيل
يعتبر التشغيل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، ويؤكد التيار الديمقراطي أن السياسات الوطنية في هذا المجال يجب أن تضمن المساواة بين جميع الفئات، وتكافؤ الفرص، وصون حقوق العاملين. وتشمل هذه السياسات مراجعة الأجر الأدنى لمختلف المهن والأجر الأدنى الفلاحي لضمان عيش كريم، مع تطبيق قوانين الشغل بصرامة لمكافحة الهشاشة والاستغلال، والالتزام بمعايير السلامة المهنية، ودعم العمل النقابي كآلية فعّالة لحماية مصالح الشغّالين وتعزيز مشاركتهم في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ويولي التيار أهمية كبيرة لتشجيع المبادرة الخاصة وتهيئة بيئة مواتية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، مكافحة الريع، تسهيل النفاذ إلى التمويل، وتقديم حوافز بما يسهم في خلق ديناميكية اقتصادية قادرة على توليد فرص عمل مستدامة. ويربط التيار هذا الدعم بتطوير المنظومة التكوينية في التعليم والتكوين المهني، لضمان جودتها وملاءمتها مع حاجيات السوق وتوجهات الدولة الاستراتيجية، وتفادي المقاربات التي تؤدي إلى إنتاج أعداد كبيرة من الخريجين دون فرص حقيقية للإدماج المهني.
كما يشدد التيار على إعادة الاعتبار للقطاعات التي تعاني من نقص اليد العاملة، وتحسين جاذبية الوظائف اليدوية من خلال رفع الأجور، توفير التغطية الاجتماعية، وضمان ظروف عمل مناسبة، خاصة في قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات الأساسية. ويعتبر توجيه الاستثمار العمومي نحو القطاعات والمناطق ذات الأولوية جزءاً من سياسات التشغيل، بهدف تنشيط الاقتصاد المحلي، تقليص التفاوت الجهوي، وخلق فرص عمل مستدامة.
وأخيراً، يعير التيار الديمقراطي اهتماماً خاصاً لمواكبة التحولات الحديثة في سوق العمل، من خلال تنظيم المجالات الجديدة مثل العمل الحر، المؤثرين الرقميين، ومبتكري الألعاب الرقمية، وتطوير الإطار القانوني بما يحمي حقوق العاملين فيها وييسر اندماجهم في الاقتصاد المنظم، بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
الدعم
لا ينبغي أن تبقى منظومة الدعم أداة عامة غير موجهة تستفيد منها فئات متفاوتة على قدم المساواة، لما في ذلك من إضعاف للعدالة واستنزاف للموارد. وفي المقابل، يرفض الحزب المقاربات الصادمة التي ترفع الدعم دون بدائل.
ويتمثل البديل في الانتقال التدريجي من دعم الأسعار إلى دعم مباشر للأشخاص المستحقين، في إطار شفاف، ومصحوب بإصلاحات موازية تشمل الأجور والنقل والخدمات الأساسية.
الثقافة
يؤمن التيار الديمقراطي أن الجمهورية الاجتماعية الديمقراطية تولي أهمية كاملة للثقافة لا بوصفها رافعة الوعي الاجتماعي وركيزة ثقافة مواطنية ديمقراطية وتضامنية فقط بل باعتبارها قطاعا اقتصاديا يمكنه تحقيق قيمة مضافة دافعة للنمو والاستدامة والاندماج.
وعليه يرى التيار الديمقراطي ضرورة دعم الاستثمار في المجال الثقافي وتثمين التراث الوطني وحمايته بشكليه المادي واللامادي فضلا عن دعم المحترفين في المجال وحماية وتأطير أهل المهن الثقافية وضمان قدرتهم على مجابهة المتغيرات ذات الطابع المعيشي.
الرياضة
يرى التيار الديمقراطي أن الاقتصاد الرياضي قطاع منتج قادر على خلق الثروة وفرص العمل إذا تم إصلاحه على أساس الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والشفافية في تسيير هياكل الرياضة، مع اعتبار الرياضة المحترفة عالميًا محركًا اقتصاديًا يعتمد على صناعات متعددة مثل التجهيزات والإعلام والتسويق والبنية التحتية ويستوجب استثماره محليًا بشكل أفضل بالنظر إلى الطاقات الشبابية المتوفرة، وذلك عبر تطوير البنية التحتية، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتنظيم الاحتراف بقوانين تضمن الاستدامة، مع ضمان العدالة الجهوية في توزيع الاستثمارات، إلى جانب دعم الرياضة القاعدية والمدرسية باعتبارها مصدرًا للمواهب ذات القيمة الاقتصادية، وتعزيز الرياضات ذات البعد البيئي والسياحي، مع إرساء منظومة متكاملة تضمن التوفيق بين المسار الرياضي والتعليمي لرياضيي النخبة عبر مسارات مرنة ومرافقة وإعادة إدماج بعد نهاية المسيرة بما يعزز الاستدامة والعدالة داخل القطاع الرياضي.
الباب الرابع : السياسات المالية والنقدية
السياسات الجبائية
يرى التيار الديمقراطي انه وفي إطار تصوره لجمهورية اجتماعية ديمقراطية ضرورة إقرار اصلاح جبائي مستقر يضمن توزيعا عادلا، تصاعديا ومنصفا لقاعدة الأداء والعبء الجبائي بما يحفز النمو ويخلق الثروة ويحقق الرفاه الاجتماعي.
كما يؤكد الحزب ضرورة توزيع المداخيل الجبائية لغاية بناء اقتصاد مدمج ومستدام ضمن فلسفة دولة الرفاه العام وفقا مبادى التضامن النجاعة والشفافية
السياسات المالية والتداين
فيما يتعلق بالمديونية العمومية، يرى الحزب أن التداين ليس خياراً مرفوضاً في حد ذاته، بل أداة يجب توظيفها بصرامة في خدمة الاستثمار المنتج، بما يعزز خلق الثروة والقدرة على السداد، مع رفض منطق إعادة إنتاج المديونية عبر الاقتراض لسداد القروض.
وفي هذا الإطار، يندرج التداين ضمن رؤية تقوم على تحسين شروطه وتعزيز السيادة المالية عبر تقليص التبعية للتمويل الخارجي وتدعيم الموارد الذاتية.
وفيما يخص النفقات العمومية، يرفض الحزب مقاربتين متناقضتين في الظاهر ومتشابهتين في النتائج: التقشف الأعمى الذي يهدد التماسك الاجتماعي، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق القائم على وعود غير ممولة. ويؤكد أن الاستدامة المالية لا تعني تقليص الدور الاجتماعي للدولة، بل تقوم على حسن توجيه الإنفاق، ورفع نجاعته، ومراجعة أولويات الميزانية في إطار يوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.
كما يعتبر أن جودة الإنفاق تمثل معياراً أساسياً للسياسات العمومية، بما يجعل الميزانية أداة استراتيجية لتوجيه التنمية، عبر تعزيز النجاعة والشفافية ومكافحة الهدر، وتكريس دور الدولة في تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
السياسات النقدية
يدعم الحزب استقلالية البنك المركزي في إطار احترام أهداف المصلحة العامة، وعلى رأسها التحكم في التضخم والاستقرار المالي، ويرفض توظيف السياسة النقدية لأغراض ظرفية من شأنها إضعاف الثقة في العملة والمؤسسات، غير أن هذه الاستقلالية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عزلة عن بقية السياسات، بل في إطار تنسيق متوازن بين السياسة النقدية والسياسة المالية وسياسات الاستثمار.
ويرى الحزب أن تشريعات الصرف التي تم سنها منذ عشرات السنين، والتي فرضها سياق اقتصادي ومالي واجتماعي معين، لم تعد ملائمة لمتطلبات النمو والانفتاح، بل تمثل عائقًا أمام استغلال كل الإمكانات المتاحة للاقتصاد الوطني، في سياق يتميز بسرعة المبادلات وانفتاح الأسواق. ولا يعني ذلك تحريرًا غير مدروس للدينار، وإنما يهدف إلى دعم الاستثمار وتسهيل المبادلات التجارية.
الباب الخامس: موقع تونس في الاقتصاد العالمي
الاتفاقيات والشراكات
يؤمن التيار الديمقراطي بأن اندماج تونس في الاقتصاد العالمي يجب أن يقوم على مبدأ السيادة الاقتصادية والشراكة المتكافئة، بحيث يكون الانفتاح وسيلة لتعزيز الإنتاجية وخلق القيمة وتحسين مستوى العيش، لا غاية في حد ذاته. كما يرفض منطق الانغلاق وكذلك يرفض الذوبان في اقتصاد عالمي غير متكافئ، ويدعو إلى انفتاح متوازن يرتكز على تنويع الشراكات والدفاع عن المصلحة الوطنية وتعزيز القدرة التنافسية الداخلية.
وفي هذا الإطار، يطرح الحزب رؤية لسياسة اقتصادية خارجية نشطة تقوم على تنويع الشركاء وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، مع تثمين العلاقات التقليدية وتوسيعها، والانفتاح على فضاءات جديدة، خاصة العمق الإفريقي، باعتباره امتداداً استراتيجياً طبيعياً لتونس وفرصة حقيقية لبناء تكامل اقتصادي وتنموي مستدام.
كما يؤكد على أهمية بناء دولة قادرة على التفاوض والاستشراف، تحمي القطاعات الناشئة وتوجه الانفتاح بما يخدم المصلحة الوطنية، بهدف الانتقال من اقتصاد تابع إلى اقتصاد منتج وفاعل يخلق قيمة مضافة ويضمن تنمية عادلة ومستدامة على المدى الطويل.
سياسات التصدير والتوريد
يدعو الحزب إلى سياسة تجارية منسجمة مع أهداف التنمية، تقوم على التمييز بين التوريد الضروري والتوريد الاستهلاكي الضار، وتدعم الصادرات ذات القيمة المضافة.
ويربط الحزب كذلك تطوير الصادرات بسياسات الجودة والمعايير، وتحسين اللوجستيك، وتيسير النفاذ إلى التمويل، ودعم البحث والتطوير، باعتبار أن القدرة على النفاذ إلى الأسواق لا يحددها السعر فقط، بل أيضاً احترام المواصفات، والقدرة على الالتزام، والابتكار في المنتوج والخدمة.
وتظل تونس قادرة على تحسين تموقعها الدولي متى نجحت في تعزيز التكامل بين التعليم، والصناعة، والخدمات، والسياسة الخارجية.
الهجرة
يعتبر التيار الديمقراطي أن الهجرة قضية مركبة ترتبط بموقع تونس في الاقتصاد العالمي، وتحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وإنسانية، ويمكن أن تتحول إلى رافعة للمعرفة والاستثمار وتعزيز الروابط الدولية إذا اُحسن تدبيرها. وهي في الآن ذاته نتيجة لاختلالات داخلية في الأفق الاقتصادي والمهني والمؤسساتي، ما يقتضي معالجتها ضمن رؤية تنموية شاملة. وفي هذا الإطار، يدعو الحزب إلى سياسة متكاملة تقوم على تثمين دور الكفاءات التونسية بالخارج وتعزيز ارتباطها بالمؤسسات الوطنية، بما يحد من نزيف العقول ويحول الهجرة إلى مصدر قيمة مضافة. كما يعتبر أن الهجرة المنظمة يمكن أن تمثل فرصة اقتصادية إذا تمت في إطار عادل يحمي الحقوق ويخدم التنمية.
أما الهجرة غير النظامية، فيرفض الحزب اختزالها في مقاربة أمنية، ويؤكد أنها تعبير عن فقدان الأفق، ولا يمكن معالجتها إلا عبر سياسات تعيد الثقة وتوفر شروط الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، مع التمسك بالحق في التنقل وتنظيمه بما يحفظ السيادة الوطنية ويخدم مصلحة المواطنين.





















