الصحفي غسان بن خليفة : اضطُررت إلى مغادرة البلاد مُكرهًا.. وقد لا أعود إليها قبل أن ينجلي هذا الليل الكئيب…

حضرت يوم الجمعة المنقضي (27 مارس 2026) الجلسة النهائية من القضية الثانية في الملفّ الهزلي المفبرك في حقّي (اتهامي بأنّني مشرف على صفحة “البركان التونسي” ذات المضمون التكفيري)، وهي القضية التي تتضمّن تهمًا خطيرة (الانتماء لوفاق ارهابي، التحريض على الارهاب والخ) ومعها كـ”بونيس” (أضافه قاضي التحقيق الأسعد الشماخي) : ارتكاب أمر موحش بحق رئيس الجمهورية على معنى المرسوم 54…
وكالعادة، بذل الأساتذة المحامون الأعزّاء (فاتن العباسي، أحمد بن حمدان، عبد الغني غراب، سامي بن غازي وعبد الناصر العويني) جهدهم لاقناع هيئة المحكمة بما هو بديهي.. أن لا علاقة لي من قريب أو بعيد بهذه الصفحة.. وهو ما حاولت بدوري أن أشرحه مجدّدًا للقاضية ومساعديها… لكن مع الأسف، رأت القاضية بسمة العرعوري، ومستشاريها الموقرين في الدائرة الخامسة جنائي بالمحكمة الابتدائية بتونس، أنّني مذنب وأستحق أن أُسجن سنتين “من أجل استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصالات لإنتاج وترويج أو نشر وإعداد أخبار كاذبة بهدف الإضرار بالأمن العام”…
أي نعم، حكم عليّ القضاء المستقلّ لسلطة قيس سعيّد ووزيرة عدله بسنتين سجن (وقبلهم ستة شهور سجن في القضية الأولى المرتبطة بنفس الملف) عقابًا لي على أمر لم أرتكبه… رغم كلّ ما قدّمناه للقضاة المتعاقبين في كلتا القضيتين من قرائن وأدلّة دامغة تقنية وقانونية (وعلى رأسها اعتراف المتهم الثاني بأنّه المالك والمشرف الوحيد للصفحة وأنّه لا يعرفني وأنّه وحده من ينشر فيها) ونتيجة معاينة الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب (التي لم تجد أيّ دليل يربطني بالصفحة في أجهزتي التي صادروها اثر اختطافي ومداهمة بسيتي) … ورغم أنّ الشرطة الفنية، التي ادعت في تقرير من سطر واحد أنّ هذه الصفحة “نشطت افتراضيا انطلاقا من عنوان ip مرتبط برقم هاتفي” يوم 20 جوان 2022 على س 13:12:13 ، لم تجب بعد سنة ونصف من الانتظار على طلب المحكمة منها تقديم شرح مفصّل لاستنتاجها الغريب (وهذا السطر هو القرينة الوحيدة التي انبنى عليها أساس اتهامي.. ما يؤكد بالنسبة لي طابعها الكيدي)…
ثلاث سنوات ونصف من المعاناة لي ولعائلتي وللمحامين المتطوعين.. تنتهي بحكم ظالم لا علاقة له بالمنطق ولا بالعدل ولا بأدنى درجات الذكاء البشري…
على كلّ، لن أعيد شرح تفاصيل الملفّ أو البرهنة على براءتي.. كما فعلت في مرات سابقة. فقط سأكرّر التأكيد على ما يلي:
– هذا الحكم الظالم الغبيّ دليل جديد على طبيعة هذه السلطة الفاشلة، التي يبدو أنّ رئيسها استسلم لتلاعب الأجهزة و”الدولة العميقة” به.. وقد أغرته السلطة وحوّلته من أستاذ قانون ينظّر للعدل الى راعٍ لاغتصاب العدل واحتقار أبسط أُسس القانون… وأعترف أنّني أخطأت التقدير عندما كنت من مسانديه في الدور الثاني للانتخابات، وأنّني لم أتوقّع أن نصل معه إلى هذا “الدَرك الأسفل”… مع اقتناعي مجدّدا بأنّنا لم نكن طيلة السنوات الماضية أمام سلطة متجانسة تماما.. بل أمام أجنحة بينها تناقضات، لكن من الواضح أنّ هذه التناقضات حُسمت مؤخّرًا لصالح الجناح الأمني البيروقراطي، المتحالف مع جزء من البرجوازية الكمبرادورية، والمعادي للطبقات الشعبية ولكلّ قيم التحرّر والسيادة والمعتنق عقيدة التبعية للاستعمار والخضوع للصهاينة وأذنابهم الاقليميين. والمسؤولية الأولى والرئيسية عن كلّ ذلك تعود إلى السيّد قيس سعيّد بحكم موقعه ونتيجة لما اتخذه من قرارات.
– هذا دليل جديد على أنّنا إزاء نفس النظام الذي ثار مفقّرو وأحرار شعبنا ضدّه. فهو لم يسقط، بل عرف كيف يغيّر جلده من فترة لأخرى، وهذه النتيجة الطبيعية لمن يقوم بنصف ثورة ولا يمضي بها حتى النهاية. وهذا النظام مازال معادٍ في الصميم لكلّ نفَسٍ يناضل أو يدافع عن العدل الاجتماعي ومصالح الطبقات الشعبية، وعن السيادة الشعبية والوطنية، ويناصر الحقّ الفلسطيني (وكلّها شروط وأسس الحرّية الفعلية لشعبنا وأمّتنا).. وأنا مدرك تمامًا أنّ نشاطي الإعلامي والسياسي المنحاز لأبناء شعبنا، ونشاطي في مناهضة التطبيع – خاصة طيلة العقد المنقضي- .. هي تهمتي الحقيقية والوحيدة… وهي تهمة أفخر بها أيّما افتخار… وأنا مستعدٌ لأدفع من أجلها أغلى الأثمان…
– مثلما قلتُ سابقًا، لستُ أفضل من أبناء شعبنا المسجونين ظلمًا، وآخرهم رفاقي وأصدقائي أبطال أسطول الصمود… ولستُ أخشى السجن، ولا الموت، في سبيل ما أؤمن به… لكنّني لن أقبل أن أتخلّى عن سنتين ونصف من عمري (وربما يضيفون لي قضايا أخرى وأنا في السجن) ولا حتى ساعتين ونصف.. من أجل شيء سخيف لا علاقة لي به ولا يشبهني قطّ… وأن يُحرم ابناي، الذين لم يبلغ أكبرهما خمس سنوات، من والدهما بسبب نذالة من فبرك هذه القضيّة، وخسّة من سمح باستمرار هذه المسخرة ووصولها إلى هذا الحدّ… لذلك اضطُررت إلى مغادرة البلاد مُكرهًا.. وقد لا أعود إليها قبل أن ينجلي هذا الليل الكئيب…
– أخيرًا وليس آخرًا، يجب أن أشكر من أعماق قلبي كلّ من وقف معي في هذه المحنة.. من العائلة والأصدقاء والرفاق والزملاء في نقابة الصحفيين.. الذين ستطول القائمة إن حاولت ذكرهم جميعًا… لذا سأكتفي بالأساتذة المحامين والمحاميات الأعزاء، الذين تطوّعوا طيلة السنوات الماضية (بعضهم بشكل متواصل والبعض الآخر بشكل متقطّع) في الدفاع عنّي اقتناعًا منهم ببرائتي من هذه التهم السخيفة الظالمة… وهم: الأستاذة فاتن العباسي، الأستاذ أحمد بن حمدان، الأستاذ المناضل العياشي الهمامي (المسجون ظلمًا ثمنًا لشجاعته ومواقفه المبدئية)، الأستاذ عبد الغني غراب، الأستاذ فتحي الربيعي، الأستاذ عبد الناصر العويني، الأستاذ سامي بن غازي، الأستاذ رضا ردّاوي، الأستاذة رانيا زغدودي، الأستاذة هناء عبّاس، الأستاذ غسان الغريبي، الأستاذ كريم مرزوقي، الأستاذ بسام طريفي، الأستاذ فادي، الأستاذة سكينة الجمني، الأستاذ حمادي هنشيري، الأستاذ فؤاد ساسي.. وأرجو أنّني لم أنس أحدًا…
وأختم هذا المنشور – الذي أعتذر عن طوله – بالقول بأنّني سأواصل، حيثما تواجدت، النضال بمختلف الأشكال الممكنة من أجل نفس القيم والقضايا.. وأعد عائلتي ورفاقي وكلّ من وثق بي وساندني.. وكذلك من توهّموا أنّهم قادرين على اغتيالي معنويًا وتشويهي أو تخويفي.. أنّني لن أنكسر ولن أجبُنَ ولن أتراجع.
الخلود للشهداء والمجد للمقاومة والنصر لفلسطين من النهر إلى البحر، والعدل والحرّية للمُفقّرين المُستضعفين من المحيط إلى الخليج!
لقراءة الخبر من مصدره، يُرجى الضغط على الرابط التالي:

المزيد من المقالات

زر الذهاب إلى الأعلى